كشف تقرير تحليلي نشرته مصادر إعلامية عبرية عن انهيار شامل في العقيدة العسكرية التي تبناها بنيامين نتنياهو على مدار ثلاثة عقود. وأوضح التقرير أن الوعود التي قطعها نتنياهو منذ عام 1996 بتحييد التهديد الإيراني وتفكيك حلقة الفصائل المحيطة بإسرائيل قد اصطدمت بواقع مغاير تماماً بعد سنوات من الحروب المستمرة.
وأشار الكاتب آفي بن هار في قراءته للوقائع الممتدة من أكتوبر 2023 حتى يونيو 2026، إلى أن الفجوة بين الوعود والنتائج تعمقت بشكل غير مسبوق. فقد اعتمد نتنياهو استراتيجية وصفها بـ'الأخطبوط'، تهدف لضرب الرأس في طهران وشل الأذرع في غزة ولبنان واليمن، لكن النتائج جاءت مخيبة للآمال الإسرائيلية.
لقد شكل هجوم السابع من أكتوبر 2023 نقطة التحول الكبرى التي تسببت في انهيار المخطط الإسرائيلي فوراً، حيث وصفت بأنها الكارثة الأكبر في تاريخ الاحتلال. ورغم استمرار العمليات العسكرية لقرابة 30 شهراً، إلا أن المصادر أكدت أن واشنطن هي من حسمت ملف المختطفين بقرار سياسي وليس بضغط عسكري ميداني.
وفي الجبهة الشمالية، سجلت إسرائيل إنجازات تكتيكية تمثلت في اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، إلا أن ذلك لم يترجم إلى نصر استراتيجي. فقد استمر نزوح عشرات آلاف المستوطنين من الشمال لأكثر من عام، وانتهت المواجهة بتأجيل الحرب بدلاً من حسمها بشكل نهائي.
أما فيما يخص جبهة اليمن، فقد أكد التقرير أن الردع الإسرائيلي فشل في كسر جماعة الحوثي التي استمرت في تهديداتها لفترات طويلة. ولم تتوقف الهجمات المنطلقة من اليمن إلا بعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مما يثبت فشل الخيار العسكري المنفرد في تحقيق الهدوء.
وعلى صعيد المواجهة المباشرة مع إيران، حصل نتنياهو على دعم غير مسبوق من الإدارة الأمريكية شمل قصفاً بطائرات B2 الاستراتيجية. ورغم تصفية قيادات عليا وعلماء نوويين، إلا أن النظام الإيراني لم يسقط، بل انتقلت السلطة بسلاسة إلى مجتبى خامنئي مع استمرار البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم.
وشدد التقرير على أن إسرائيل وجدت نفسها خارج غرفة المفاوضات عند توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير في يونيو 2026. هذا التهميش يعكس فشل فرضية نتنياهو بأن قربه من واشنطن سيمنح تل أبيب القدرة المطلقة على تشكيل النتائج السياسية في المنطقة وفقاً لمصالحها.
الفشل ليس في التنفيذ بل في الوعد نفسه، والاتفاق الأمريكي مع إيران أظهر إسرائيل خارج الغرفة تماماً.
داخلياً، دفع المجتمع الإسرائيلي أثماناً باهظة لهذه السياسات، حيث قُتل أكثر من ألفي إسرائيلي وأصيب الآلاف بجروح جسدية ونفسية عميقة. كما تسببت الحروب الطويلة في تشريد عشرات الآلاف من منازلهم، مما خلق أزمة اجتماعية وإنسانية لم تشهدها إسرائيل منذ عقود طويلة.
اقتصادياً، سجلت المؤشرات تراجعاً حاداً مع قفز نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 69 بالمئة. واضطرت الحكومة لرفع ضريبة القيمة المضافة إلى 18 بالمئة لتغطية تكاليف الحرب التي بلغت عشرات المليارات من الدولارات، مما أدى لانخفاض التصنيف الائتماني للدولة العبرية.
وأوضحت المصادر أن إسرائيل خاضت حروبها المتعددة دون خطة استراتيجية طويلة الأمد تحظى بدعم مستدام من واشنطن. هذا التخبط أدى إلى نتائج عكسية في كافة الساحات، حيث بقيت التهديدات قائمة رغم حجم الدمار والعمليات الاستخباراتية المعقدة التي نفذها الجيش الإسرائيلي.
إن الإخفاق في تحقيق الأهداف الأربعة المعلنة للحرب يضع قيادة نتنياهو في مأزق تاريخي أمام الجمهور الإسرائيلي. فبدلاً من تشكيل واقع إقليمي جديد، وجدت إسرائيل نفسها غارقة في استنزاف مستمر لمواردها البشرية والمالية دون أفق سياسي واضح ينهي حالة الصراع.
واعتبر التقرير أن النجاحات الاستخباراتية، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تعوض الفشل في الرؤية السياسية الشاملة. فإيران لا تزال تمثل التحدي الأكبر، وأذرعها في المنطقة لم تتفكك، بل أعادت تموضعها بانتظار جولات مواجهة قادمة قد تكون أكثر تعقيداً.
وفي نهاية المطاف، يظهر المشهد السياسي أن وعود نتنياهو بالسيطرة على النتائج عبر التحالف مع اليمين الأمريكي كانت مجرد أوهام. فالواقع الدولي والمصالح الأمريكية العليا فرضت مسارات دبلوماسية تجاوزت المطالب الإسرائيلية المتشددة، وتركت تل أبيب تواجه تداعيات حروبها وحيدة.
يخلص التقرير إلى أن 'عقيدة القوة' التي روج لها نتنياهو قد وصلت إلى طريق مسدود، مما يتطلب مراجعة شاملة للسياسات الأمنية. إن التكلفة التراكمية للفشل الاستراتيجي ستلقي بظلالها على مستقبل إسرائيل لسنوات طويلة، خاصة مع انهيار الثقة في قدرة القيادة على الوفاء بوعود الأمن والرخاء.





شارك برأيك
تقرير إسرائيلي يرصد انهيار عقيدة نتنياهو العسكرية وفشل استراتيجية 'رأس الأخطبوط'