لم تبدأ معاناة الشعب الفلسطيني مع حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل تعود جذورها إلى أكثر من قرن من الزمان، منذ أن بدأت القوى الاستعمارية تمهد الطريق للمشروع الصهيوني في فلسطين. فمع وعد بلفور عام 1917، ثم فرض الانتداب البريطاني على فلسطين، فُتحت أبواب الهجرة اليهودية، وأُقيمت المستوطنات، وشُكّلت العصابات المسلحة التي مارست أعمال القتل والتهجير بحق السكان الفلسطينيين.
وفي عام 1948 وقعت النكبة الكبرى، حيث جرى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم، وتدمير ما يزيد على 500 قرية فلسطينية، ليتحول شعب بأكمله إلى لاجئين في وطنهم وفي دول الجوار. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف حلقات المعاناة، سواء في مخيمات اللجوء أو تحت الاحتلال الذي تمدد ليشمل ما تبقى من فلسطين بعد حرب عام 1967.
ورغم توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 وقيام السلطة الفلسطينية، استمرت إسرائيل في سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي وتهويد القدس، بينما ظل حلم الدولة الفلسطينية المستقلة يتراجع أمام تعنت الحكومات الإسرائيلية والدعم الغربي الواسع لها.
وجاءت حرب غزة الأخيرة لتكشف الوجه الأكثر قسوة لهذا المشروع. فمنذ اندلاعها، تعرض القطاع لعمليات تدمير واسعة النطاق شملت الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس والجامعات ومرافق المياه والكهرباء. وتشير التقديرات إلى سقوط أكثر من ربع مليون شهيد وجريح ومفقود، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، إضافة إلى تشريد ما يزيد على مليوني فلسطيني داخل قطاع غزة، في واحدة من أكبر موجات النزوح القسري في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
ولم تقتصر المأساة على القتل والتدمير، بل شملت الحصار والتجويع ومنع وصول المساعدات الإنسانية، واستهداف مراكز الإيواء والخيام التي لجأ إليها المدنيون. كما تعرضت المؤسسات الصحية والتعليمية لدمار هائل، الأمر الذي أدى إلى انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تكفل حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
وفي مخيمات النزوح، يعيش الفلسطينيون ظروفًا بالغة القسوة؛ فالعائلات تبحث يوميًا عن الغذاء والماء والدواء والمأوى، فيما تتفاقم معاناة المرضى والجرحى والأطفال والنساء وكبار السن. ومع استمرار الحصار وإغلاق المعابر وتقييد عمل المؤسسات الإغاثية، تبدو الحياة وكأنها صراع يومي من أجل البقاء.
إن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي الفلسطيني من خلال الضغط على السكان ودفعهم نحو الهجرة القسرية. وقد عبّر العديد من قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف عن رؤى تقوم على تقليص الوجود الفلسطيني وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما يهدد مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
وفي مواجهة هذه المخططات، أثبت الفلسطينيون مرة أخرى تمسكهم بأرضهم ورفضهم التهجير، رغم حجم التضحيات والمعاناة. غير أن الصمود وحده لا يكفي ما لم يترافق مع دعم عربي وإسلامي ودولي حقيقي يعزز قدرة الناس على البقاء فوق أرضهم.
ومن هنا، فإن الأولوية اليوم يجب أن تنصب على ضمان التدفق المستمر للمساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، ودعم القطاعين الصحي والتعليمي، وتمكين المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، من أداء دورها الإنساني بعيدًا عن الضغوط السياسية. كما يتطلب الأمر تحركًا قانونيًا ودبلوماسيًا دوليًا أكثر فاعلية لمحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المدنيون.
لقد عاش الفلسطينيون أكثر من سبعة وسبعين عامًا بين اللجوء والاحتلال والحروب، لكنهم ظلوا متمسكين بحقهم في البقاء والحرية والعودة. ولذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط وقف الحرب، بل حماية الإنسان الفلسطيني وتعزيز صموده وإفشال كل مشاريع التهجير القسري والتطهير العرقي، حتى تبقى فلسطين لأهلها، ويبقى شعبها شاهدًا حيًا على أن إرادة البقاء أقوى من كل محاولات الاقتلاع والإبادة.
===============================
وفي مواجهة هذه المخططات، أثبت الفلسطينيون مرة أخرى تمسكهم بأرضهم ورفضهم التهجير، رغم حجم التضحيات والمعاناة. غير أن الصمود وحده لا يكفي ما لم يترافق مع دعم عربي وإسلامي ودولي حقيقي يعزز قدرة الناس على البقاء فوق أرضهم.
أقلام وأراء
الخميس 18 يونيو 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
تراجيديا النزوح الفلسطيني ومأساة شعبٍ يتعرّض للإبادة الجماعية والتهجير القسري