فلسطين

الأربعاء 17 يونيو 2026 11:00 صباحًا - بتوقيت القدس

الهجرة النبوية... دروس في الثبات والتخطيط وترسيخ التمسك بالأرض


الشيخ د. عكرمة صبري: الهجرة قدمت نموذجاً واضحاً في التخطيط والإعداد للمستقبل ما يتطلب من الأمة الإسلامية اعتماد التخطيط الاستراتيجي السليم
الشيخ إبراهيم عوض الله: يجب التمييز بين الهجرة النبوية المشروعة وبين التهجير الذي يتعرض له الفلسطينيون الهادف لتفريغ الأرض من أصحابها الشرعيين
البروفيسور محمد حافظ الشريدة: الهجرة النبوية مثلت انتقالاً من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة الإسلامية وتحقيق القوة والتمكين
د. ماجد صقر: تجربة الهجرة تقدم نموذجاً عملياً في بناء الإنسان والمؤسسات والاقتصاد والقوة المجتمعية وصولاً إلى تحقيق العودة والانتصار
الشيخ عبد المجيد عمارنة: الهجرة تعلم الفلسطينيين وسائر المسلمين الصبر على المحن والابتلاءات والتمسك بالأمل والثقة بالعودة وعدم الاستسلام لليأس
د. أيمن الدباغ: رغم أن الهجرة كانت حدثاً تاريخياً خاصاً بمرحلة معينة فإن معانيها باقية ومتجددة وبمقدمتها هجر المعاصي وما يتعارض مع قيم الدين ومبادئه


رام الله - خاص بـ"القدس"-

مع حلول ذكرى الهجرة النبوية الشريفة تبرز الدروس باستلهام معانيها في مواجهة التحديات الراهنة، باعتبارها محطة تاريخية مفصلية نقلت المسلمين من مرحلة الاستضعاف إلى بناء المجتمع والدولة، ورسخت قيماً ما زالت حاضرة في واقع الأمة حتى اليوم، وفي مقدمتها الصبر والتضحية والوحدة والتخطيط والأخذ بالأسباب والثبات على المبادئ، ومحطة هامة بالتخطيط للعودة إلى الأرض بعد الهجرة.
ويرى علماء دين وأكاديميون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بل مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان والمجتمع، إذ جسدت معاني المؤاخاة والتكافل والتعايش، وقدمت نموذجاً في التخطيط الاستراتيجي والعمل المنظم، كما أكدت أهمية التمسك بالدين وتقديمه على المصالح الشخصية، إلى جانب ضرورة الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب في مواجهة التحديات والأزمات.
ويؤكد المتحدثون أن استحضار دروس الهجرة يكتسب أهمية خاصة في الواقع الفلسطيني، في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من احتلال وتهجير ومعاناة وانقسام وتحديات متراكمة.
ويشددون على ضرورة التمييز بين الهجرة النبوية التي جاءت بأمر إلهي لتحقيق أهداف واضحة وانتهت بتحقق مقاصدها، وبين التهجير القسري الذي يستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، والذي يتوجب مواجهته بالصمود والثبات.
ويرون أن قيم الوحدة والتماسك المجتمعي والتخطيط للمستقبل والصمود والثبات على الأرض تبقى من أبرز الرسائل التي تقدمها الهجرة للأجيال الفلسطينية، إلى جانب ترسيخ الأمل بأن النصر والفرج يأتيان بعد الصبر والابتلاء، وأن التمسك بالحق والهوية والأرض يشكل ركيزة أساسية في مواجهة محاولات التهجير والاقتلاع.


أبرز حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية

يؤكد رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس د. الشيخ عكرمة صبري أن الهجرة النبوية الشريفة تمثل أبرز حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية، لما أحدثته من تحول كبير في مسار الإسلام والمسلمين، مشيراً إلى أن أهميتها دفعت الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى اعتمادها منطلقاً للتقويم الهجري، لتبقى شاهداً على مرحلة مفصلية أسست لقيام المجتمع الإسلامي وانتشاره.
ويوضح صبري أن من أبرز الدروس المستفادة من الهجرة النبوية مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهي التجربة التي جسدت عملياً معاني الوحدة والتكافل والتضامن بين المسلمين.
ويشدد صبري على أن الأمة اليوم، وفي ظل ما تمر به من ظروف صعبة وأزمات متلاحقة، أحوج ما تكون إلى استلهام هذا النموذج، والعمل على ترسيخ قيم الأخوة والتعاون والابتعاد عن أسباب الفرقة والصراعات والثأر، بما يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي وصون وحدة الصف.

ضرورة بقاء الأمل

ويؤكد صبري على أن الهجرة النبوية تحمل كذلك رسالة أمل متجددة، إذ إنها كانت بداية مرحلة جديدة من القوة والانتشار والعزة للإسلام، ما يؤكد أن الأمل يجب أن يبقى حاضراً مهما اشتدت التحديات، وأن اليأس لا مكان له في حياة الأمة.
ويشير إلى أن الهجرة قدمت نموذجاً واضحاً في التخطيط والإعداد للمستقبل، داعياً الأمة الإسلامية إلى اعتماد التخطيط الاستراتيجي السليم، ووضع برامج واضحة وأهداف ثابتة، والعمل بجدية وأمانة على تنفيذها.

أهمية التفريق بين الهجرة والتهجير القسري بالواقع الفلسطيني

وفي حديثه عن ربط الهجرة بالواقع الفلسطيني، يؤكد صبري أنه يجب التفريق بين الهجرة النبوية والتهجير القسري الذي تعرض له الشعب الفلسطيني منذ عام 1948، موضحاً أن الهجرة النبوية كانت قائمة على هدف واضح وتخطيط محكم وأثمرت نتائج إيجابية في بناء الدولة الإسلامية وتمكينها، بينما كان تهجير الفلسطينيين تهجيراً قسرياً فرضته ظروف الاحتلال والاقتلاع من الأرض، ما أدى إلى معاناة اللاجئين وتشريدهم وحرمانهم من الاستقرار والأمان.
ويؤكد صبري أن الفلسطينيين أصحاب حق ثابت في أرضهم، داعياً إلى التمسك بها وعدم التفكير في الهجرة أو مغادرتها، لأن الواجب يتمثل في الثبات والرباط والصمود.
ويلفت صبري إلى أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعلن انتهاء الهجرة بعد تحقق أهدافها، لتصبح الأولوية للثبات والاستقرار، وهو ما يجعل التمسك بالأرض والدفاع عنها خياراً وطنياً وشرعياً في مواجهة محاولات التهجير، انطلاقاً من الحق الذي يستمد مشروعيته من الثوابت الدينية والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

ترسيخ معاني التضحية والإخلاص لنصرة الدين

يؤكد نائب المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية ومفتي محافظة رام الله والبيرة الشيخ إبراهيم عوض الله أن الهجرة النبوية الشريفة شكلت محطة مفصلية في التاريخ الإسلامي، ورسخت معاني التضحية والإخلاص في سبيل نصرة الدين، مشيراً إلى أن مفهوم الهجرة في اللغة العربية يعني الترك والهجر والانتقال من أرض إلى أخرى، إلا أن الهجرة التي قادها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم تميزت بكونها عبادة شرعية فرضها الله تعالى لتحقيق غاية كبرى تمثلت في حماية الدعوة الإسلامية وتمكينها في مواجهة ما تعرضت له من مكر وكيد وعنف متصاعد.
ويوضح عوض الله أن الهجرة النبوية لم تكن عملاً فردياً أو خطوة مرتبطة بمصالح شخصية أو منافع دنيوية، وإنما كانت تضحية جسيمة قدمها المسلمون نصرة لدينهم، حيث اضطر المهاجرون إلى ترك أموالهم وديارهم وأهليهم استجابة لأمر الله تعالى.
ويشير عوض الله إلى أن الهجرة مثلت اختباراً حقيقياً للإيمان، ميز بين صادقي العقيدة ومدعيها، وشارك فيها مختلف فئات المجتمع من الأقوياء والضعفاء، الأمر الذي يعكس أن مسؤولية نصرة الدين والحق تقع على عاتق جميع المسلمين دون استثناء.

تأسيس كيان موحد

ويلفت عوض الله إلى أن نجاح الهجرة تجسد في النتائج التي حققتها خلال فترة وجيزة، إذ أسهمت في تأسيس كيان موحد جمع المسلمين تحت قيادة واحدة، وانطلقت منه مسيرة بناء الدولة الإسلامية وتحقيق الانتصارات المتتالية، وصولاً إلى فتح مكة والعودة إليها بعد سنوات قليلة من الخروج منها.
ويعتبر عوض الله أن من أعظم ثمار الهجرة نيل رضوان الله تعالى للمهاجرين والأنصار، وما تحقق لهم من فتح ونصر وتمكين.

أهميتها واعتمادها تقويماً

ويبيّن عوض الله أن المكانة العظيمة للهجرة دفعت المسلمين إلى اعتمادها بداية للتقويم الهجري، وهو ما يعكس حجم أثرها في تاريخ الأمة الإسلامية، مؤكداً أن قيمة الأحداث الكبرى تقاس بما تحققه من أهداف ونتائج وإنجازات، لا بالمظاهر العابرة أو القضايا السطحية.
ويشدد على ضرورة التمييز بين الهجرة النبوية المشروعة وبين التهجير الذي يتعرض له الفلسطينيون، موضحاً أن الهجرة النبوية كانت لحكمة ربانية وغاية محددة انتهى حكمها بتحقق مقاصدها، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح"، بينما يهدف التهجير إلى تفريغ الأرض من أصحابها الشرعيين عبر الضغوط والإجراءات الظالمة والإغراءات المختلفة.

تحريم الهجرة الدائمة من فلسطين

ويؤكد عوض الله أن الفتاوى الشرعية المعتبرة تحرم الهجرة الدائمة من فلسطين لما يترتب عليها من إضعاف للوطن وأهله، مع جواز السفر المؤقت لأغراض التعليم أو العمل أو التجارة أو غيرها من الحاجات المشروعة.
ويحذر عوض الله من محاولات دفع الفلسطينيين إلى مغادرة وطنهم بصورة دائمة، داعياً إلى استحضار الفارق الشرعي والوطني بين الهجرة المؤقتة والتهجير الدائم، وإلى تعزيز التمسك بالأرض والهوية الوطنية في مواجهة المخططات الهادفة إلى اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم.

الهجرة مشروع متكامل لنصرة الدين

يؤكد الداعية الإسلامي البروفيسور د. محمد حافظ الشريدة أن ذكرى الهجرة النبوية الشريفة تمثل مناسبة متجددة لاستحضار الدروس والعبر التي أسست لمسيرة الإسلام، مبيناً أن الهجرة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما مشروعاً متكاملاً لنصرة الدين وبناء الدولة وترسيخ معاني الإيمان والصبر والتوكل والأخذ بالأسباب.
ويوضح الشريدة أن أولى رسائل الهجرة تتمثل في ضرورة إقامة الإسلام في النفوس قبل السعي لإقامته في الواقع، مؤكداً أن الدين هو أغلى ما يملكه الإنسان، وهو مقدم على المال والأهل والوطن، كما أن الهجرة تعلم المسلمين أن الجهاد والنية الصادقة باقيان بعد انتهاء الهجرة المكانية.

أهمية هجر المعاصي

ويشير الشريدة إلى أن من أهم الدروس التي يحتاجها المسلمون اليوم هجر المعاصي وفتح صفحة جديدة مع الله سبحانه وتعالى، إلى جانب ترسيخ اليقين بأن من كان مع الله كان الله معه، مستشهداً بما جسدته الهجرة من معاني التوكل وحسن الظن بالله والأخذ بالأسباب، حيث اجتمع التخطيط الدقيق مع الاعتماد الكامل على الله عز وجل.

أهمية الدور المحوري للشباب والفتيات

ويؤكد الشريدة أن الهجرة أبرزت الدور المحوري للشباب والفتيات في خدمة الدعوة الإسلامية، كما ظهر في جهود أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وخاصة أسماء ذات النطاقين وعبد الله بن أبي بكر، مؤكداً أن بناء الأمم وتحقيق النهضة يحتاج إلى طاقات الشباب وإسهامهم الفاعل في خدمة قضاياهم ومجتمعاتهم.
ويبيّن الشريدة أن الهجرة تؤكد كذلك أهمية العبادة والثبات في أزمنة الفتن، لافتاً إلى أن الإيمان والإعداد والصبر واليقين تمثل ركائز أساسية لتحقيق النصر والتمكين ونيل الريادة في الدين والدنيا.

الفلسطينيون والمعاناة من التهجير

ويربط الشريدة بين معاني الهجرة والواقع الفلسطيني، مشيراً إلى أن ما يعيشه الفلسطينيون من معاناة وتهجير وأسر وفقدان للأحبة يشبه في جوانب كثيرة ظروف الشدة والابتلاء التي سبقت الهجرة النبوية.
ويشدد الشريدة على أن ذكرى الهجرة تأتي لتبعث الأمل في نفوس الصابرين والمرابطين، وتؤكد أن الفرج يأتي بعد الكرب، وأن النصر يولد من رحم المعاناة.

من الاستضعاف إلى بناء الدولة

ويؤكد الشريدة أن الهجرة النبوية مثلت انتقالاً من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة الإسلامية وتحقيق القوة والتمكين، كما أنها تمثل نداءً متجدداً لكل مسلم لهجر المعاصي والتمسك بالثبات والإيمان.
ويوضح الشريدة أن هذه الذكرى تذكر الأمة بأن وراء كل محنة منحة، ووراء كل بلاء عطاء، وأن الله الذي نصر نبيه صلى الله عليه وسلم وحفظه في الغار قادر على أن يحول الألم إلى أمل والشدائد إلى انفراج.
ويشدد الشريدة على أن رسالة الهجرة ما زالت حاضرة في وجدان الأمة، داعياً إلى التمسك بالأمل وعدم الاستسلام لليأس، والثقة بوعد الله تعالى، مؤكداً أن الصبر والثبات وحسن التوكل على الله تبقى الطريق إلى الفرج والنصر والتمكين.

منظومة من التخطيط المحكم والتوكل على الله

يؤكد مدير دائرة إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية د. ماجد صقر أن الهجرة النبوية الشريفة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بل شكلت حدثاً مفصلياً ومنعطفاً تاريخياً أسس لقيام مجتمع ودولة، وجسدت منظومة متكاملة من التخطيط المحكم والتوكل على الله والأخذ بالأسباب، وصولاً إلى تحقيق النصر والتمكين.
ويوضح صقر أن من أبرز دلالات الهجرة الإعداد المسبق والتخطيط الاستراتيجي، مستشهداً بإرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم لمصعب بن عمير إلى المدينة لتهيئة البيئة الشعبية لاستقبال الدعوة الإسلامية والمهاجرين، إلى جانب ما جسدته الهجرة من معاني التوكل الصادق على الله تعالى، مستحضراً موقف الغار عندما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا"، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟"، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: "إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا".

نماذج من التضحية والفداء

ويشير صقر إلى أن الهجرة قدمت نماذج رفيعة في التضحية والفداء، كما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما نام في فراش النبي ليلة الهجرة، وكما قدم الصحابة أموالهم ومصالحهم نصرة للدعوة، مؤكداً أن هذه المعاني أسست كذلك لمبدأ الأخوة الإنسانية والاجتماعية من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وأثبتت أن النصر لا يتحقق إلا بالصبر والعمل والتضحية.

رفض اليأس والقنوط والتمسك بالأمل

ويربط صقر بين دروس الهجرة والواقع الفلسطيني، معتبراً أن أولى هذه الدروس تتمثل في رفض اليأس والقنوط والتمسك بالأمل. ويستشهد بقصة سراقة بن مالك الذي طارد النبي طمعاً في مكافأة قريش، قبل أن يبشره الرسول صلى الله عليه وسلم بسواري كسرى، رغم أنه كان مطارداً ومهدداً، وهو ما تحقق لاحقاً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مؤكداً أن هذه الحادثة تعكس ثقة الرسول المطلقة بوعد الله ونصره، وأن أصحاب الحق مطالبون بالأخذ بالأسباب وعدم انتظار المعجزات دون عمل وجهد.

استلهام نموذج الوحدة

ويشدد صقر على أن الأمة اليوم بحاجة إلى استلهام نموذج الوحدة الذي أرساه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، محذراً من حالة الانقسام والتخوين التي تعاني منها الساحة الفلسطينية، ومؤكداً أن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مثلت نموذجاً فريداً في بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات، وهو ما تحتاجه الأمة بشكل عام والشعب الفلسطيني بشكل خاص.
ويبيّن صقر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ ببناء المسجد باعتباره مركزاً للعبادة والتربية الروحية، بل أسس أيضاً نظاماً مجتمعياً متكاملاً من خلال وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين على قاعدة العدالة والحقوق والواجبات المشتركة، كما اهتم ببناء الاقتصاد وتأسيس سوق مستقل للمسلمين، إدراكاً لأهمية القوة الاقتصادية في حماية المجتمع وتحقيق استقلاله.
ويؤكد صقر أن تجربة الهجرة تقدم نموذجاً عملياً في بناء الإنسان والمؤسسات والاقتصاد والقوة المجتمعية، وصولاً إلى تحقيق العودة والانتصار.

الهجرة مشروع لبناء المجتمع والدولة

ويؤكد صقر أن الفلسطينيين أحوج ما يكونون إلى دراسة الهجرة باعتبارها مشروعاً لبناء المجتمع والدولة، لا مجرد رواية تاريخية أو سرد قصصي، مشدداً على أهمية الاستفادة من قيمها في تعزيز الوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي والتخطيط للمستقبل.
ويلفت صقر إلى أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد إمكانية التعاون مع غير المسلمين في القضايا الإنسانية العادلة، مستشهداً بمواقف الرسول في التعامل مع غير المسلمين وبحديثه عن "حلف الفضول"، إلى جانب تمسكه بالثوابت وعدم التنازل عنها.
ويشدد صقر على أن النصر وعد إلهي لأصحاب الحق، لكنه مرتبط بالأخذ بالأسباب والصبر والثبات، مؤكداً أن الفلسطينيين، رغم ما يواجهونه من تحديات، مطالبون بالثقة بوعد الله والعمل الجاد لتحقيق أسباب القوة والوحدة حتى يتحقق النصر المنشود.

الانتقال من الاستضعاف إلى بناء الدولة

يؤكد مفتي محافظة بيت لحم الشيخ عبد المجيد عمارنة أن الهجرة النبوية تمثل محطة مفصلية في التاريخ الإسلامي، إذ شكلت تحولاً جذرياً في مسار الدعوة الإسلامية، حيث انتقل المسلمون من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد إلى مرحلة بناء الدولة وترسيخ أركان المجتمع الإسلامي.
ويوضح عمارنة أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين قبل الهجرة تعرضوا لأشد أشكال التضييق والاضطهاد، فلم يكن بإمكانهم ممارسة شعائرهم بحرية أو الجهر بدعوتهم دون التعرض للتعذيب، مستشهداً بقوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".
ويشير عمارنة إلى أن قريش بعد ذلك انتقلت من محاولة استمالة النبي بالمغريات الدنيوية إلى التخطيط لاغتياله بعد فشل تلك المحاولات.
ويربط عمارنة بين أحداث الهجرة النبوية والواقع الفلسطيني الراهن، مشيراً إلى أن الشعب الفلسطيني يعيش ظروفاً قاسية من الحرب والتهجير والمعاناة، ويشعر بخذلان عربي ودولي في ظل استمرار العدوان.

أهمية الصبر على المحن

ويلفت عمارنة إلى أن ما تعرض له النبي محمد صلى الله عليه وسلم من إخراج قسري من مكة يشبه ما يتعرض له الفلسطينيون من محاولات تهجير واقتلاع من أرضهم، مستحضراً قول الرسول الكريم عند مغادرته مكة: "والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، وأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت".
ويشدد عمارنة على أن الهجرة تعلم الفلسطينيين وسائر المسلمين درسين أساسيين؛ أولهما الصبر على المحن والابتلاءات، وثانيهما التمسك بالأمل والثقة بالعودة وعدم الاستسلام لليأس، مستشهداً بقوله تعالى: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد"، وبقوله سبحانه: "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".
ويشير عمارنة إلى أن الهجرة قدمت نموذجاً متكاملاً يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، موضحاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أعد خطة دقيقة للهجرة، شملت الاختباء في غار ثور والاستعانة بمن ينقل الأخبار والطعام ويخفي الآثار، إلا أن النجاح النهائي كان بعناية الله تعالى عندما وصل المطاردون إلى باب الغار، فطمأن النبي صاحبه أبو بكر الصديق بقوله: "لا تحزن إن الله معنا"، وقال له: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".

الثقة المطلقة بوعد الله

ويتوقف عمارنة عند قصة سراقة بن مالك الذي طارد النبي طمعاً في مكافأة قريش، قبل أن يتحول إلى شاهد على صدق وعد الرسول حين بشره بسواري كسرى، وهو الوعد الذي تحقق لاحقاً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، معتبراً أن هذه القصة تجسد الثقة المطلقة بوعد الله ونصره.
ويؤكد عمارنة أن الهجرة لا تقتصر على الانتقال المكاني، بل تشمل الهجرة المعنوية من المعصية إلى الطاعة ومن الضعف إلى القوة، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، وقوله: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه".

الوحدة والتماسك المجتمعي

ويشير عمارنة إلى أن نجاح تجربة النبي في المدينة المنورة قامت على الوحدة والتماسك المجتمعي والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وإصلاح ذات البين، إضافة إلى بناء المؤسسات وترسيخ الشراكة بين مكونات المجتمع، معتبراً أن الشعب الفلسطيني اليوم أحوج ما يكون إلى الوحدة والإصلاح والتمسك بهويته الدينية والوطنية، حتى يتمكن من الانتقال من الانقسام والضعف إلى الوحدة والاستقلال والثبات على الأرض.

معاني الهجرة الباقية والمتجددة

يؤكد الأكاديمي والمحاضر في كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية د. أيمن الدباغ أن الهجرة النبوية تمثل حدثاً محورياً في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفي تاريخ المسلمين، لما حملته من آثار عميقة، أسهمت في تمكين الدعوة الإسلامية وانتشارها، مشيراً إلى أن هذا الحدث شكل مشروعاً متكاملاً لبناء مجتمع قادر على حماية الدين وتحقيق أهدافه.
ويوضح الدباغ أن من أبرز الدلالات التي تجسدها الهجرة النبوية تقديم الدين على كل الاعتبارات الأخرى، حيث ضحى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأموالهم وأوطانهم وأهليهم في سبيل الحفاظ على عقيدتهم وتمكين الإسلام.
ويشير الدباغ إلى أن الهجرة، وإن كانت حدثاً تاريخياً خاصاً بمرحلة معينة من الدعوة الإسلامية، إلا أن معانيها باقية ومتجددة، وفي مقدمتها هجر المعاصي وكل ما يتعارض مع قيم الدين ومبادئه، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، موضحاً أن المطلوب من المسلمين استحضار دلالات الهجرة في حياتهم اليومية، وليس بالضرورة تكرار صورتها التاريخية ذاتها.

نموذج للتخطيط الاستراتيجي والأخذ بالأسباب

ويلفت الدباغ النظر إلى أن الهجرة قدمت نموذجاً فريداً في التصرف العقلاني والتخطيط الاستراتيجي والأخذ بالأسباب، دون الاكتفاء بالاعتماد على الأسباب السماوية، أو انتظار حدوث معجزات، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مؤيداً بالوحي.
ويبين الدباغ أن مظاهر التخطيط بدأت قبل الهجرة بسنوات من خلال بيعتي العقبة الأولى والثانية، اللتين مهدتا لاستقبال المسلمين في المدينة المنورة، ثم إرسال مصعب بن عمير لنشر الإسلام وإعداد البيئة المناسبة لقدوم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين.
ويوضح الدباغ أن التخطيط تجلى أيضاً في تفاصيل الرحلة نفسها، من المكوث في غار ثور ثلاثة ليال، والاستعانة بعبد الله بن أبي بكر لنقل الأخبار، وعامر بن فهيرة لإخفاء الآثار، وبالخروج ليلاً، وسلوك طرق غير مألوفة، والاستعانة بعبد الله بن أريقط دليلاً للطريق، مؤكداً أن كل ذلك يعكس أهمية التدبير والعمل المنظم، وعدم الاكتفاء بالتمني، أو انتظار النتائج دون سلوك أسبابها.

مواجهة التحديات الداخلية والخارجية

ويربط الدباغ بين هذه الدروس والواقع الفلسطيني، مشدداً على أن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى استحضار تجربة المدينة المنورة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وبخاصة من خلال تعزيز التماسك الاجتماعي والتضامن الوطني.
ويوضح الدباغ أن المؤاخاة التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار شكلت نموذجاً عملياً للوحدة والتكافل بين أبناء المجتمع الواحد، وهي قيمة تشتد الحاجة إليها في الظروف الصعبة.
ويشير الدباغ إلى أهمية وثيقة المدينة المنورة التي أرست أسس التعايش بين مكونات المجتمع المختلفة على اختلاف أديانها وأعراقها وطوائفها، معتبراً أنها تقدم نموذجاً في بناء مجتمع متماسك متعاضد بكل مكوناته، قادر على مواجهة الأخطار.
ويؤكد الدباغ أن بناء مسجد قباء ثم المسجد النبوي، كان أول خطوة عملية بعد الوصول إلى المدينة المنورة، مما يعكس الدور المحوري للمسجد في تعزيز الوعي الديني والحضاري، وتقوية روابط الأخوة بين أفراد المجتمع والتكافل والصمود.
ويشدد الدباغ على أن الهجرة النبوية تبقى مدرسة متكاملة في التضحية والتخطيط وبناء المجتمع، وأن استلهام معانيها في الواقع الفلسطيني يمثل ضرورة لتعزيز الصمود والوحدة والتعايش والتكافل الاجتماعي في مواجهة التحديات المختلفة.

دلالات

شارك برأيك

الهجرة النبوية... دروس في الثبات والتخطيط وترسيخ التمسك بالأرض

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.