أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 8:28 مساءً - بتوقيت القدس

نظام الطيبات في مصر: حينما يصبح الغذاء استفتاءً شعبياً على فشل المؤسسات

لم يعد الانتشار الواسع لما يُعرف بـ 'نظام الطيبات' مجرد ظاهرة صحية أو غذائية عابرة تثير الجدل في الأوساط الطبية، بل تحول إلى مؤشر سياسي واجتماعي يعكس فشل الدولة المصرية في بناء جسور الثقة مع مواطنيها. فبينما يقف المتخصصون وأهل العلم في جبهة التحذير من مخاطر هذا النظام، اختار ملايين المصريين منح ثقتهم لهذا المسار البديل بحثاً عن حلول لأزماتهم.

إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا السياق لا يتعلق بمدى صحة نظام الطيبات علمياً، بل يتركز حول الأسباب التي دفعت الجماهير لتصديقه والنفور من الرواية الرسمية. لقد نجحت السلطة في إحكام قبضتها على المجال العام وتوجيه الإعلام، لكنها فشلت في المهمة الأسمى وهي اكتساب مصداقية حقيقية لدى الشارع.

تؤكد الوقائع أن الثقة لا يمكن صناعتها عبر الماكينات الدعائية أو فرضها بقوة القوانين، بل هي نتاج طبيعي للشفافية والإنجاز الملموس على أرض الواقع. ومع تآكل هذه القيم في العلاقة بين الدولة والمجتمع، أصبح المواطن يبحث عن أي بصيص أمل بعيداً عن المؤسسات التي يراها غير قادرة على تلبية احتياجاته.

يجد المواطن المصري نفسه اليوم محاصراً بين مطرقة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وسندان الارتفاع الجنوني في الأسعار، في وقت يستمر فيه الخطاب الرسمي بالحديث عن نجاحات غير مسبوقة. هذه الفجوة الهائلة بين الواقع المعاش والخطاب الإعلامي أدت إلى انهيار جسور التواصل، مما دفع الناس للبحث عن بدائل غير تقليدية.

لقد استطاع نظام الطيبات أن يقدم للمصريين ما عجزت عنه المؤسسات الرسمية، وهو 'الأمل' في التغيير أو الشفاء، حتى وإن كان هذا الأمل يفتقر إلى الأسس العلمية الرصينة. إن الحقيقة المؤلمة تكمن في أن المواطن بات يرى في التجربة الفردية خارج إطار الدولة فرصة تستحق المخاطرة أكثر من اتباع توصيات مؤسساته.

إن الإقبال الشعبي الكثيف على هذا النظام الغذائي المثير للجدل يجب أن يثير قلق صانع القرار أكثر من قلق الأطباء، لأنه يعكس تراجعاً حاداً في مكانة المؤسسات الرسمية. الدولة التي يفقد الناس إيمانهم ببياناتها الاقتصادية ورواياتها السياسية، لا يمكنها أن تتوقع منهم الالتزام بتوجيهاتها الصحية أو العلمية.

يكشف هذا المشهد أيضاً عن فشل ذريع وممتد في ملف الوعي والثقافة العامة، حيث جرى تهميش الأدوار التنويرية لصالح منصات إعلامية تكتفي بالتصفيق والترويج. هذا التغييب المتعمد للنقاش الحر والمعرفة الحقيقية أدى بالضرورة إلى اتساع مساحات الجهل وبروز الخطابات الشعبوية التي تجذب البسطاء.

عندما يغيب العلماء الحقيقيون عن المشهد أو يتم دفعهم إلى الهامش لصالح أصحاب الأصوات العالية والقدرة على الإثارة، يصبح المجتمع أرضاً خصبة للأفكار غير المدروسة. إن تخلي الدولة عن دورها في بناء العقل النقدي هو الذي فتح الأبواب على مصراعيها أمام انتشار البدائل غير المؤسسية في كافة المجالات.

قصة نظام الطيبات ليست مجرد حكاية عن الغذاء أو العلاج بالأعشاب، بل هي قصة دولة فقدت رصيدها المعنوي لدى قطاعات واسعة من الشعب. إنها انعكاس لأزمة ثقة عميقة تجاوزت القطاع الصحي لتشمل السياسة والاقتصاد والتعليم، مؤكدة أن احتكار الخطاب لا يعني بالضرورة امتلاك الحقيقة أو كسب العقول.

لقد تحول النجاح الذي حققه هذا النظام إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي غير المعلن على أداء مؤسسات الدولة المصرية، وكانت النتيجة صادمة وقاسية في دلالاتها. فالملايين فضلوا تصديق مشروع فردي خارج المنظومة على تصديق مؤسسات تمتلك العلم والخبرة والسلطة، وهو ما يمثل شهادة فشل اجتماعي.

إن استمرار الدولة في تجاهل دلالات هذه الظاهرة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانفصال عن الواقع، حيث يبحث المجتمع عن حلول ذاتية لمشاكله بعيداً عن الرقابة الرسمية. هذا الانفصال يهدد التماسك المجتمعي ويجعل من السهل انسياق الجماهير خلف أي دعوات شعبوية تداعب آلامهم واحتياجاتهم الأساسية.

المشكلة تكمن في أن المؤسسات الرسمية لا تزال تتعامل مع هذه الظواهر بمنطق المنع أو السخرية، دون الالتفات إلى الجذور العميقة التي جعلت الناس يفرون من أحضانها. إن استعادة الثقة تتطلب تغييراً جذرياً في طريقة إدارة الأزمات وفي لغة الخطاب الموجه للجمهور الذي سئم الوعود الوردية.

في نهاية المطاف، يظل نظام الطيبات مجرد عرض لمرض أكبر ينخر في جسد العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر، وهو غياب المصداقية. وإذا لم تدرك الدولة أن قوتها الحقيقية تنبع من ثقة مواطنيها وليس من سيطرتها الأمنية، فإننا سنشهد ظهور المزيد من 'الطيبات' في مجالات أخرى أكثر حساسية.

إن مراجعة السياسات الإعلامية والثقافية باتت ضرورة ملحة لاستعادة العقل النقدي المصري، وحماية المجتمع من التضليل. لكن هذه المراجعة لن تنجح ما لم تقترن بإصلاحات اقتصادية واجتماعية حقيقية تشعر المواطن بأن مؤسسات دولته هي الملاذ الأول والأخير له في مواجهة تحديات الحياة.

دلالات

شارك برأيك

نظام الطيبات في مصر: حينما يصبح الغذاء استفتاءً شعبياً على فشل المؤسسات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.