كما ذكرت في مقالاتي السابقة مرارًا، فإن الحرب ما زالت مستمرة رغم الهدن الهشة وعدم التوصل إلى اتفاق حتى الآن. وقد أوضحت أكثر من مرة طبيعة الصراع القديم المتجدد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي بدأ فعليًا بعد سقوط الشاه عام 1979. فقد كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال عهد الشاه قوية ومتشعبة على المستويين السياسي والاقتصادي، إلا أنها انقطعت بالكامل بعد وصول الخميني إلى الحكم إثر الثورة الإيرانية والإطاحة بالشاه عبر احتجاجات شعبية واسعة.
وتفاقمت الأزمة مع حادثة الرهائن الأمريكيين في إيران، وما تبعها من قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق السفارات بين البلدين، وهو وضع ما زال قائمًا حتى اليوم. ومع مرور السنوات، تطور هذا الصراع ليأخذ أشكالًا متعددة من المواجهة السياسية والعسكرية غير المباشرة، وصولًا إلى الحرب المفتوحة التي تشهدها المنطقة منذ بداية هذا العام.
كما ساهم الدعم الإيراني القوي لحركة "حماس" منذ أحداث السابع من أكتوبر2023، واستمرار هذا الدعم خلال الحرب في غزة، في تعميق المواجهة بين إيران ومحورها من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. كذلك عززت إيران ما يُعرف بوحدة الساحات من خلال دعم حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والفصائل العراقية الموالية لها، والتي تمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة ساهمت في توسيع رقعة الصراع.
إن النظرة إلى هذه الحرب القديمة الجديدة تشير إلى أنها حرب طويلة ومعقدة، ولا تبدو في الأفق حلول حاسمة لها. فالصراع لا يقتصر على المصالح السياسية والأمنية فحسب، بل يمتد إلى أبعاد عقائدية وفكرية عميقة. فمن جهة، تتمسك إيران بمشروعها الإقليمي ورؤيتها القائمة على ولاية الفقيه، ومن جهة أخرى تسعى إسرائيل، بدعم أمريكي، إلى إنهاء نفوذ النظام الإيراني وتقليص قدراته العسكرية والإقليمية.
وأصبح واضحًا أن الحرب مستمرة رغم تعدد الهدن واستمرار المفاوضات المتقطعة. فالمفاوضات تبدو وكأنها مسلسل طويل لم يصل بعد إلى حلقته الأخيرة، رغم الحديث المتكرر عن إمكانية إبرام اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وشخصيًا، أرى أن المشهد أكثر تعقيدًا من أن يُحسم باتفاق سريع، ولا أجد حتى الآن مؤشرات كافية تدفع للاعتقاد بأن اتفاقًا نهائيًا بات قريبًا.
فهذا الصراع متجذر تاريخيًا وعقائديًا، وشعارات العداء المتبادلة بين الطرفين تجعل من الصعب ترميم الفجوة العميقة بينهما من خلال اتفاق سياسي فقط، خصوصًا في ظل الخسائر البشرية والدمار الذي لحق بإيران وإسرائيل نتيجة سنوات طويلة من المواجهة.
ومن أبرز العقبات التي تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي، ملف النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ولا سيما قضية حلفاء إيران الإقليميين. فالحرب ما زالت مستمرة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، كما لا تزال التهديدات قائمة في البحر الأحمر والخليج العربي، سواء من خلال التوترات المرتبطة بمضيق باب المندب أو مضيق هرمز، وما يرافق ذلك من تأثير مباشر على حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة.
وقد انعكست هذه التطورات على الاقتصاد العالمي بصورة كبيرة، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة، وارتفعت تكاليف النقل والشحن والسفر، ما ساهم في زيادة معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية في العديد من دول العالم. ولذلك، فإن آثار هذه الحرب لم تعد مقتصرة على أطرافها المباشرين، بل امتدت لتطال اقتصادات وشعوبًا في مختلف القارات.
كما أن دول المنطقة لم تكن بمنأى عن تداعيات هذا الصراع، إذ تواجه العديد من الدول العربية تحديات أمنية متزايدة نتيجة التوترات العسكرية المستمرة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد المخاوف بشأن استقرار المنطقة ومستقبلها السياسي والأمني.
وفي الداخل الإيراني، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فهناك شريحة من الإيرانيين ما زالت تؤيد النظام الحالي وترفض أي اتفاق قد يُنظر إليه على أنه تنازل للولايات المتحدة، في حين توجد فئات أخرى تطالب بإصلاحات سياسية أوسع، وربما بتغييرات جوهرية في بنية النظام. وهذا الانقسام الداخلي يزيد من صعوبة اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل العلاقة مع واشنطن.
ولا يزال الملف النووي الإيراني أحد أبرز القضايا العالقة في أي مفاوضات محتملة، إضافة إلى قضية الأموال الإيرانية المجمدة والخلافات حول آليات الإفراج عنها أو توظيفها. كما تطرح تساؤلات عديدة حول مدى استعداد إيران لإعادة صياغة علاقاتها الإقليمية أو تعديل سياساتها تجاه حلفائها في المنطقة مقابل الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن التوصل إلى اتفاق مع إيران في ظل التعقيدات الحالية، والتباينات المحتملة داخل مؤسسات الحكم، واستمرار المواجهات العسكرية في المنطقة؟ وهل تستطيع الأطراف المختلفة تجاوز عقود من الصراع والشكوك المتبادلة للوصول إلى تسوية دائمة؟
في المحصلة، ما زال وضع الاتفاق غير محسوم، كما أن المشهد الداخلي الإيراني والإقليمي يبدو شديد التعقيد. ومن المرجح أن تحمل الأيام المقبلة المزيد من التطورات العسكرية والسياسية التي ستؤثر في مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية ومستقبل المنطقة بأسرها. ومع ذلك، أعتقد أن الحرب ما زالت مستمرة، وأن فرص التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي لا تزال بعيدة في الوقت الراهن، رغم الجهود المبذولة للوصول إلى حلول سلمية.





شارك برأيك
لا اتفاق في الأفق بين أمريكا وإيران والحرب مستمرة