ينقلب الإنسان في مجتمع الإنجاز المعاصر إلى عامل يستغل نفسه داخل مشروعه الخاص، حيث تتداخل فيه أدوار السيد والعبد بشكل معقد. هذا التحول الجذري أدى إلى نقل صراع الطبقات التقليدي من الميادين العامة إلى داخل النفس البشرية، مما يولد قلقاً مستمراً وتوتراً ناتجاً عن العجلة الدائمة.
يخرج الإنسان الحديث إلى يومه متدفقاً بالحركة ومثقلاً بالأدوات التقنية، بينما تزدحم في رأسه أصوات العالم ومفاتيح السيطرة الوهمية. تحيط به الشاشات كجدار شفاف يعيد ترتيب انتباهه وإدراكه، مما يجعله في حالة بحث دائم عن جهة واحدة تلم شتات نفسه وتعيد له معنى وجوده المفقود.
تغدو الراحة في هذا العصر كسراب يفر كلما اقترب المرء منه، رغم الركض الطويل والجمع المستمر للأخبار والمنشورات. يغوص الإنسان في تدفق المعلومات الرقمية رجاء العثور على حقيقة تمسك قلبه من التبدد، لكنه يجد فراغاً داخلياً يتسع طردياً مع زيادة الصخب الخارجي المحيط به.
ترسم البصيرة القرآنية صورة صادمة للإنسان حين تغيب جهة السماء عن قلبه، واصفة إياه بمن يمشي مكباً على وجهه. هذه الهيئة تعبر عن انقطاع صلة العلو، حيث تهبط الرؤية إلى الأرض وحدها، ويصبح المرء ملتقطاً لفتات المعنى من تراب اليوميات والتفاصيل الصغيرة التي تبهت معها الغايات الكبرى.
استحالت النفس البشرية في زمن الحداثة إلى ساحة مطالب متتابعة تضرم القلق وتورث العطش الروحي الدائم. ورغم أن العقل أصبح آلة ماهرة في الحساب والتدبير وإدارة المشهد الخارجي، إلا أنه يظل عاجزاً عن صياغة الأعماق على بصيرة وسكينة وتمييز حقيقي.
يهيمن منطق السوق اليوم على تعريف الإنسان لذاته، حيث يحسب نفسه مشروعاً يُقاس يومياً بالأرقام ومدى قبول الآخرين وانطباعاتهم. يعيش الفرد تحت وطأة المقارنة والتصنيف، جامعاً في صدره أوامر السيد بالإنجاز ولهث العبد وراء الرضا والتقدير الخارجي.
تمتد فكرة التسليع إلى عالم الصور، حيث تصبح الشاشة هي ميدان اللقاء الأساسي واللقطة هي بطاقة التعريف بالمكانة الاجتماعية. تدار العلاقات الإنسانية بما يُعرض ويُنشر أكثر مما تحققه من معنى حقيقي، ويتحول الوعي من وزن الحقائق إلى عداد الإعجابات الرقمية.
يتحول صراع الطبقات في مجتمع الإنجاز إلى صراع داخلي مع النفس، حيث يجتمع في الإنسان الواحد المستغِل والمستغَل.
يتعمق انكباب الإنسان على وجهه حين يتحول الزمن إلى غنيمة تُختصر في ظاهر اليوم وتُبدد في باطنه دون أثر حقيقي. يقع المرء في فتنة السرعة ظناً أنها خلاصه، ليجد نفسه في النهاية عاجزاً عن تحويل الساعات التي ربحها إلى حياة ذات قيمة ومعنى.
أشار المفكر إريك فروم إلى هذه المفارقة الصارخة، موضحاً أن الإنسان الحديث يظن أنه يربح الوقت بالسرعة، ثم يقضي ذلك الوقت المربوح في قتله. هذا الاختزال للنجاح في معايير الكم والظهور والسبق، جعل الكائن المعاصر يفيض بالأشياء بينما يضيق صدره عن السكينة.
في وسط هذا الضجيج، يبرز ضمير الشريعة ليذكر بأن الفراغ والصحة نعمتان يغبن فيهما الكثير من الناس كما جاء في الحديث النبوي. إن استعادة قيمة الوقت هي الخطوة الأولى نحو استرداد القلب من تشتته، وحماية الإنسان من الانكباب الكلي على الماديات الزائلة.
يضع علماء السلوك الميزان الصحيح حين يعتبرون إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن الموت يقطع عن الدنيا بينما إضاعة الوقت تقطع عن الله. العبودية الحقة في هذا السياق هي عملية استرداد للذات من قاتلي الوقت ومن تشتت الانتباه الذي تفرضه الحداثة.
تبدأ النجاة الحقيقية حين يعيد الإنسان ترتيب أولوياته الداخلية، مقدماً مفهوم العبودية لله على شهوة التملك والظهور. إن جعل الغاية فوق التفاصيل الاستعراضية يحول الاستقامة إلى عادة يومية، ويجعل السير على الصراط المستقيم أثراً لاتصال القلب بخالقه.
يستعيد الإنسان نفسه حين يقيم في قلبه سكينة ترد إليه الفهم بعد أن بعثرته العجلة وضجيج المؤثرات الخارجية. الخلوة القصيرة ومراجعة الحسابات واختيار الصحبة الصالحة هي أدوات ضرورية لثبات المقصد ولمّ شعث اليوم المبعثر بين الشاشات والمهام.
في الختام، يظل الميزان القرآني مفتوحاً لكل إنسان ليختار بين المشي مكباً على وجهه أو المشي سوياً على صراط مستقيم. الاستواء في الباطن هو الذي يورث رشد العمل ووضوح الطريق، ويحول أدوات الحداثة من سجون للنفس إلى خوادم لمعانٍ عليا تليق بكرامة الإنسان.





شارك برأيك
الإنسان الحديث في فخ الإنجاز: قراءة في اغتراب الذات وانكباب الروح