عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 2:14 مساءً - بتوقيت القدس

تراجع تاريخي في ثقة الأوروبيين بالمظلة الأمنية الأمريكية وتوجه نحو الاستقلال الدفاعي

كشفت دراسة مسحية حديثة أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية عن تحول جذري في نظرة الأوروبيين تجاه الولايات المتحدة، حيث وصلت الثقة في 'الضمان الأمني' الأمريكي إلى أدنى مستوياتها التاريخية. وأظهرت النتائج التي نشرتها تقارير صحفية دولية أن القارة العجوز باتت تنظر بشك متزايد إلى مدى التزام واشنطن بحماية حلفائها في حال اندلاع نزاعات مسلحة.

وأوضحت الدراسة أن نسبة ضئيلة جداً لا تتجاوز 11% من المستطلعين في 15 دولة أوروبية لا يزالون يعتبرون الولايات المتحدة حليفاً يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل. ويمثل هذا الرقم تراجعاً حاداً مقارنة بنسبة 22% سُجلت في أواخر عام 2023، مما يعكس فجوة متزايدة في العلاقات العابرة للأطلسي وتصاعداً في المخاوف الأمنية المحلية.

ويأتي توقيت نشر هذا الاستطلاع في مرحلة حساسة تسبق انعقاد قمم دولية كبرى لمجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي 'الناتو'. وأشار معدو التقرير إلى أن النتائج تعكس 'انعدام ثقة عميق' يتجاوز مجرد الخلافات السياسية العابرة، ليصل إلى جوهر العقيدة الأمنية التي ربطت أوروبا بواشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وعزت الدراسة هذا التراجع إلى عدة عوامل جيوسياسية، أبرزها السياسات الأمريكية المتقلبة في منطقة الشرق الأوسط، والتهديدات المتكررة بتقليص الوجود العسكري في القواعد الأوروبية. كما ساهم التشكيك المستمر في جدوى حلف الناتو من قبل بعض التيارات السياسية الأمريكية في تعزيز النزعة البراغماتية لدى الشعوب الأوروبية للبحث عن بدائل أمنية.

وقالت جانا كوبزوفا، الباحثة السياسية المشاركة في إعداد الدراسة إن هناك توجهاً واضحاً في القارة لتقليل التبعية الاستراتيجية لواشنطن. وأكدت أن الأوروبيين أظهروا انفتاحاً غير مسبوق على زيادة الإنفاق الدفاعي الوطني، مدفوعين بالحاجة إلى التحوط ضد احتمالات تخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها الدفاعية التقليدية.

وبحسب البيانات، فإن أغلبية سكان الدول التي شملها المسح لم تعد تعول على تدخل أمريكي سريع في حال تعرض بلادهم لهجوم خارجي. وفي المقابل، برزت ثقة متزايدة في قدرة الدول الأوروبية المجاورة على تقديم العون المتبادل، مما يعزز فكرة بناء منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالية وتماسكاً بعيداً عن المظلة الأمريكية.

وشملت الدراسة دولاً ذات ثقل سياسي وعسكري كبير مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا، بالإضافة إلى دول محايدة تاريخياً مثل سويسرا والنمسا. وأظهرت النتائج أن 13% من الرأي العام الأوروبي بات يصنف الولايات المتحدة كـ 'منافس'، بينما ذهب 12% إلى أبعد من ذلك باعتبارها 'خصماً مباشراً' للمصالح الأوروبية.

وفيما يتعلق بالتسلح، كشف الاستطلاع عن رغبة شعبية عارمة في تغيير مصادر المعدات العسكرية، حيث بلغت نسبة مؤيدي 'شراء المعدات الأوروبية' بدلاً من الأمريكية نحو 75% في الدنمارك و72% في هولندا. وتعكس هذه الأرقام رغبة في توطين الصناعات الدفاعية وتقليل الارتباط التكنولوجي والعسكري بالصناعات الحربية الأمريكية.

ورغم هذا التوجه نحو الاستقلال الدفاعي، لا تزال هناك عقبات اقتصادية تواجه هذا التحول، حيث أبدت شعوب دول مثل إيطاليا وألمانيا معارضة لخفض الإنفاق العام في قطاعات الخدمات لتمويل ميزانيات الدفاع. ويشير هذا التناقض إلى التحدي الصعب الذي يواجه القادة الأوروبيين في موازنة الطموحات الأمنية مع الضغوط المعيشية.

وفي سياق متصل، أظهرت الدراسة أن فكرة استبدال حلف الناتو بهيئة دفاعية تقتصر على الاتحاد الأوروبي لا تزال تحظى بتأييد محدود لا يتجاوز 29%. ويبدو أن الرأي السائد يميل إلى إصلاح العلاقة مع واشنطن أو انتظار تغييرات في الإدارة الأمريكية، مع بقاء الأمل في تحسن الروابط بمجرد رحيل الشخصيات السياسية المثيرة للجدل.

وعلى صعيد ملف الطاقة، ورغم الأزمات الاقتصادية وارتفاع التكاليف، أظهر 44% من الأوروبيين موقفاً حازماً ضد العودة لاستيراد النفط والغاز من روسيا. واعتبر المشاركون أن الاعتماد على الطاقة الروسية مجدداً يمثل فكرة سيئة، مما يشير إلى استمرار التزام القارة بقطيعة اقتصادية مع موسكو رغم تبعاتها القاسية.

أما بخصوص توسع الاتحاد الأوروبي، فقد كشفت الدراسة عن انقسام حاد تجاه انضمام أوكرانيا، حيث تبرز معارضة واضحة في دول مثل المجر والنمسا وألمانيا. وحتى في دول تعد من أبرز الداعمين لكييف مثل إستونيا، ظهرت تحفظات على منح أوكرانيا العضوية في الوقت الراهن، مما يعكس تعقيدات الملف الأوكراني داخل البيت الأوروبي.

وتشير الدراسة في ختامها إلى أن المطالب الشعبية بالاعتماد على الذات أتاحت فرصة تاريخية لصناع القرار في أوروبا للمضي قدماً في تعزيز السيادة الأمنية. ومع ذلك، يبقى السؤال حول قدرة القارة على تحويل هذه الرغبات الشعبية إلى واقع عسكري ملموس قادر على مواجهة التحديات العالمية المتسارعة دون الحاجة الدائمة للحماية الأمريكية.

إن هذه التحولات في الرأي العام الأوروبي تضع العلاقات الدولية أمام منعطف جديد، حيث لم تعد واشنطن هي 'المنقذ' الوحيد في نظر حلفائها القدامى. وتؤكد المصادر أن استمرار هذه النظرة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خارطة التحالفات العالمية، مع بروز قطب أوروبي يسعى لامتلاك قراره الأمني والسياسي بشكل أكثر حزماً.

دلالات

شارك برأيك

تراجع تاريخي في ثقة الأوروبيين بالمظلة الأمنية الأمريكية وتوجه نحو الاستقلال الدفاعي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.