أقلام وأراء

الإثنين 08 يونيو 2026 9:31 صباحًا - بتوقيت القدس

الأم.. قائدة الإدارة التربوية الأولى



السيارة توقفت أمام بوابة المدرسة، لم يكن الأمر يستغرق أكثر من دقيقتين، ربما ثلاث. نزل الطفل، حقيبته على ظهره، خطواته متترددة قليلاً كما هو حال كل صباح. لكن قبل أن يُغلق الباب، انحنت الأم من نافذتها، ومسّت كتفه بيدها، وقالت له شيئاً. لا أعرف ماذا قالت. لكنني رأيت ما حدث بعدها،  استدار الطفل، ونظر إليها للحظة، ثم أدار ظهره للسيارة وسار نحو درج المدرسة بخطوة مختلفة تماماً. أكثر ثباتاً. أكثر ثقة. كأن تلك الكلمات القليلة كانت زاداً يكفيه ليواجه يومه كله.
وقفت أراقب هذا المشهد وفكرت؛ كم من القيادة يحدث في هذه اللحظات التي لا يراها أحد. لا كاميرات، لا تصفيق، لا شهادات تُمنح. مجرد أم وطفل وبضع كلمات عند بوابة مدرسة. ومع ذلك، ما يحدث هناك قد يكون أعمق أثراً من أي قرار إداري يُتخذ خلف أبواب مغلقة. هذا المشهد، الذي يتكرر في ملايين الصباحات كل يوم، يختزل حقيقة نادراً ما نتوقف عندها، الأم هي أول قائد تربوي يعرفه الإنسان، والبيت هو المؤسسة الأولى التي نتعلم فيها كيف ندير حياتنا.
نحن نتحدث كثيراً عن الإدارة التربوية في المدارس والجامعات. نضع لها النظريات، ونؤلف فيها الكتب، ونعقد لها المؤتمرات. نتحدث عن التخطيط الاستراتيجي، والتوجيه، والتحفيز، وإدارة الأزمات. لكننا ننسى أن هذه المفاهيم المعقدة تمارسها الأم يومياً، وبشكل فطري، دون أن تحمل شهادة في الإدارة. حين ترتب الأم جدول نوم أطفالها، وتوازن بين وقت اللعب ووقت الدراسة، فهي تمارس التخطيط. وحين تتدخل لفض نزاع بين أخوين، وتعلمهما كيف يتفاوضان ويتنازلان، فهي تمارس إدارة الأزمات وحل النزاعات. وحين تلاحظ تراجع شغف طفلها بهواية كان يحبها، فتبحث عن طرق جديدة لإعادة إشعال حماسه، فهي تمارس التحفيز بأعمق صوره. الأم لا تدير مؤسسة من الجدران والمكاتب، بل تدير مؤسسة من الأرواح والمشاعر، وهذا هو النوع الأصعب والأبقى من الإدارة.
وما تزرعه الأم في سنوات الطفولة الأولى لا يبقى محصوراً في تلك المرحلة. إنه يمتد، يتشعب، ويشكل الهيكل العظمي لشخصية الإنسان في مراهقته ورشده. الطفل الذي ينشأ في بيت تديره أم توازن بين الحزم والحنان، يتعلم كيف يحترم القوانين دون أن يفقد استقلاليته. والمراهق الذي يجد في أمه مستمعاً جيداً وقائداً يوجهه دون أن يكسره، يعبر تلك المرحلة الحرجة بأقل قدر من الخسائر. وحتى في مرحلة الرشد، حين نواجه أزمات العمل أو تعقيدات العلاقات، نجد أنفسنا، بوعي أو بدون وعي، نستدعي تلك الأصوات الداخلية التي زرعتها الأمهات فينا. صوت يخبرنا متى نصمد، ومتى نتراجع، وكيف نعيد ترتيب أوراقنا. الإدارة التربوية للأم ليست وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، بل هي استثمار طويل الأجل، تظهر أرباحه في كل قرار نتخذه في حياتنا.
وإذا تأملنا نظريات الإدارة التربوية الحديثة، سنجد أنها تدور حول مفاهيم مثل “القيادة التحويلية” و”الذكاء العاطفي”. القيادة التحويلية تعني القدرة على إلهام الآخرين وتغييرهم نحو الأفضل، والذكاء العاطفي يعني القدرة على فهم المشاعر وإدارتها. أليست هذه هي بالضبط أدوات الأم؟ الأم لا تفرض سلطتها بالقوة، بل بالتأثير. هي لا تدير أبناءها باللوائح المكتوبة، بل بالحب، بالحدس، وبقدرة هائلة على قراءة ما لا يُقال. هي تعرف متى يكون الصمت أبلغ من الكلام، ومتى يكون العناق هو الحل الوحيد لمشكلة تبدو معقدة. هذه هي القيادة في أبهى صورها، القيادة التي تبني الإنسان من الداخل.
وهنا، لا بد من التركيز والتأمل في واقع المرأة العاملة اليوم. نحن نعيش في عصر يطالب المرأة بأن تكون مثالية في كل شيء موظفة ناجحة، وزوجة رائعة، وأماً لا تشوبها شائبة. هذا الضغط الهائل قد يخلق شعوراً دائماً بالتقصير. لكن الحقيقة هي أن المرأة العاملة ليست مقصرة. خروجها للعمل، تحقيقها لذاتها، ومساهمتها في بناء مجتمعها، هي أمور تستحق التقدير والاحتفاء. العمل لا ينقص من أمومتها، بل قد يضيف إليها أبعاداً جديدة من القوة والاستقلالية التي تراها بناتها وأبناؤها كنموذج يحتذى.
ومع ذلك، يبقى التذكير بالأولويات ضرورة لا غنى عنها. الأولويات لا تعني التخلي عن الطموح المهني، بل تعني الترتيب الواعي للجهد والوقت. الأمومة ليست وظيفة يمكن تفويضها بالكامل. يمكن تفويض مهام التنظيف، أو الطبخ، أو حتى بعض جوانب الرعاية الجسدية، لكن لا يمكن تفويض القيادة التربوية. لا يمكن تفويض تلك اللحظة التي يحتاج فيها الطفل إلى عينين تنظران إليه باهتمام حقيقي وهو يروي تفاصيل يومه المدرسي.
السر ليس في كمية الوقت الذي تقضيه الأم مع أبنائها، بل في نوعية هذا الوقت. الأم التي تعود من عملها منهكة، لكنها تخصص نصف ساعة من الحضور الكامل، الحضور النوعي الخالي من تشتت الهواتف الذكية وهموم العمل، تترك أثراً أعمق بكثير من أم تتواجد جسدياً طوال اليوم لكنها غائبة ذهنياً وعاطفياً. الحضور النوعي هو أن تكوني هناك حقاً، بكامل حواسك ومشاعرك، في اللحظات التي تصنع الفارق.
في النهاية، الإدارة التربوية للأم هي بوصلة العائلة. هي التي تحدد الاتجاه، وتضبط الإيقاع، وتصنع المناخ الذي ينمو فيه الأبناء. سواء كانت هذه الأم متفرغة لبيتها، أو تقود فريق عمل في شركة كبرى، فإن دورها كقائد تربوي يبقى هو الأهم والأكثر تأثيراً. الأمومة ليست  رعاية فقط بل هي قيادة. قيادة هادئة، صبورة، لا تنتظر التصفيق ولا تبحث عن الترقيات، لكنها تبني، بصمت وحب، مستقبل الأمم.



دلالات

شارك برأيك

الأم.. قائدة الإدارة التربوية الأولى

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.