تحليل

الجمعة 05 يونيو 2026 7:39 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران والمضائق البحرية: صراع النفوذ بين النظام العالمي الأمريكي والبديل الصيني

منذ اللحظات الأولى لرد الاحتلال الإسرائيلي على عملية طوفان الأقصى، بدأت حكومة بنيامين نتنياهو بصياغة أهداف الحرب ووضع جداول زمنية لتحقيقها. كان هذا التحديد ضرورياً لامتصاص غضب المعارضة الداخلية التي حملت الحكومة مسؤولية الإخفاق الأمني، بينما ضغطت إدارة بايدن لتقصير أمد الحرب خشية تآكل الدعم الدولي.

أحدث تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، صدمة في الأوساط السياسية حين أعلن أن إسرائيل تحتاج لسنوات لتحقيق أهدافها في غزة. هذا التقدير الزمني كشف عن فجوة كبيرة بين الطموحات العسكرية الإسرائيلية والواقع الميداني الذي فرضته المقاومة الفلسطينية وقدرتها على الصمود الطويل.

رغم مرور أكثر من عامين على اندلاع المواجهة، لم تنجح إسرائيل في تحقيق أهدافها الجوهرية المتمثلة في التهجير القسري أو القضاء التام على بنية حماس. ويعزو مراقبون هذا التعثر إلى تنامي القوة الدفاعية داخل غزة، إضافة إلى عنصر الإسناد الإقليمي الفاعل الذي شكل ضغطاً مستمراً على الجبهات المختلفة.

انخرطت الولايات المتحدة بشكل مباشر في ساحات القتال، سواء عبر الاشتباك مع الحوثيين في اليمن أو تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي في غزة ولبنان. ورغم محاولات إدارة بايدن السابقة لمنع اشتعال حرب إقليمية شاملة، إلا أن الدعم العسكري والسياسي المطلق لإسرائيل ظل الثابت الوحيد في السياسة الأمريكية.

مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تصاعدت حدة الانخراط الأمريكي في المواجهة المباشرة مع إيران لدعم الحليف الاستراتيجي. وقد تجلى ذلك في عملية 'مطرقة منتصف الليل' التي استهدفت منشأة فوردو الإيرانية المحصنة، في محاولة لتقويض البرنامج النووي الإيراني الذي تراه إسرائيل تهديداً وجودياً.

تتجاوز الطموحات الإسرائيلية الحالية حدود قطاع غزة، حيث تسعى حكومة اليمين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت مسمى 'إسرائيل الكبرى'. يتضمن هذا المشروع توسعاً جغرافياً ونفوذاً أمنياً يمتد ليشمل أجزاء واسعة من الدول المجاورة، بهدف إنهاء أي مراكز قوة إقليمية خارجة عن دائرة التبعية.

في المقابل، تشهد إيران تحولاً داخلياً عميقاً مع بروز جيل جديد من التكنوقراط الذين يديرون الملفات السياسية والعسكرية بعقيدة قومية. هذا التحول جعل النظام الإيراني أكثر تركيزاً على فن الحكم والمصلحة الوطنية، متجاوزاً الأطر الأيديولوجية الثورية التقليدية التي سادت في العقود الماضية.

تعتبر الولايات المتحدة أن الحفاظ على نظامها العالمي يستوجب السيطرة المطلقة على الممرات المائية ونقاط الاختناق البحري مثل مضيق هرمز وباب المندب. هذه السيطرة هي الضمانة الأساسية لاستمرار هيمنة الدولار وتأمين خطوط التجارة العالمية التي تربط الشرق بالغرب.

تمثل إيران عنصراً حيوياً في مشروع 'الحزام والطريق' الصيني، الذي يسعى لتقديم بديل اقتصادي للنظام العالمي الذي تقوده واشنطن. هذا الصراع المحتدم في الممرات المائية يعكس رغبة بكين في استعادة مكانتها كأكبر اقتصاد عالمي عبر نظام 'أوراسيا' الاقتصادي الجديد.

أظهرت التطورات الأخيرة أن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة لم تعد كافية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز بشكل كامل. هذا التحدي الميداني وضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية، حيث تبين أن إشعال الحروب دون خطة خروج واضحة يؤدي إلى استنزاف القوة والهيبة الدولية.

إن الرؤية الإسرائيلية للاستغناء عن الدعم الأمريكي خلال عقد من الزمن، كما صرح نتنياهو، تبدو محفوفة بالمخاطر في ظل التحولات الجيوسياسية. فإسرائيل تظل في المنظور الاستراتيجي الأمريكي قاعدة عسكرية متقدمة، وليست كياناً مستقلاً تماماً عن المصالح الحيوية لواشنطن في المنطقة.

في نهاية المطاف، تقف المنطقة أمام مفترق طرق بين نظام عالمي أمريكي يتآكل ونظام صيني يشق طريقه بهدوء عبر الاقتصاد والتحالفات. وتظل إيران بتموضعها الجغرافي وعقيدتها الجديدة حجر الزاوية في هذا الصراع الذي سيعيد رسم خارطة القوى الدولية لسنوات طويلة قادمة.

دلالات

شارك برأيك

إيران والمضائق البحرية: صراع النفوذ بين النظام العالمي الأمريكي والبديل الصيني

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.