تحليل

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 2:39 مساءً - بتوقيت القدس

ضفتا الخليج: تحولات الواقع وتحديات بناء الثقة في ظل المتغيرات الدولية

يعاد اليوم استحضار تاريخ العلاقة بين ضفتي الخليج في سياق تحولات إقليمية ودولية متسارعة، حيث تبرز ضرورة جسر الفجوات التي خلفتها سنوات من التوتر والتباين في الرؤى. ورغم محاولات البعض تضخيم المخاوف من استئناف هذه العلاقات، إلا أن الواقعية السياسية بدأت تفرض نفسها كخيار استراتيجي لا غنى عنه للطرفين.

تمثلت أولى خطوات هذا المسار الجديد في قرار المملكة العربية السعودية إنهاء الحرب في اليمن، والانتقال نحو حوار مباشر مع إيران تحت رعاية صينية. هذا التحول لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي، بل عكس مراجعة شاملة للسياسات السابقة، بما في ذلك التبادل الدبلوماسي والتمايز عن بعض المسارات الإقليمية الأخرى.

أظهرت الرياض استقلالية واضحة في قراراتها السيادية، لا سيما في ملفات الطاقة ضمن تحالف 'أوبك+'، متجاوزة الضغوط الأمريكية التقليدية. هذا التوجه يشير إلى بنية تفكير جديدة داخل المملكة تعطي الأولوية للمصالح الوطنية العليا والاستقرار الإقليمي المستدام.

تلعب التحولات الداخلية في السعودية، وخاصة رؤية 2030، دوراً محورياً في تهدئة المقاربات السياسية، حيث يدرك صانع القرار أن تحقيق الطموحات الاقتصادية يتطلب بيئة أمنية مستقرة. فالأمن في هذا السياق لا يمكن تجزئته، بل هو كل متكامل يشمل ضفتي الخليج دون استثناء.

على المقلب الآخر، تتبنى طهران رؤية استراتيجية ترتكز على أولوية دول الجوار، وهي السياسة التي أسس لها قائد الثورة علي الخامنئي. وقد انعكس هذا التوجه في تحسن ملحوظ في علاقات إيران مع دول محورية مثل مصر وتركيا والعراق وقطر، مما يعزز فرص الحوار الإقليمي.

تسعى إيران من خلال توجهها شرقاً إلى تعزيز موقعها كلاعب أساسي في النظام العالمي الجديد الناشئ، مستفيدة من حالة التنافس الدولي والانزياح نحو القوى الآسيوية. هذا الصمود في وجه الضغوط الغربية مكنها من فرض قواعد خطاب جديدة تركز على التنسيق مع القوى العربية وتطمينها.

جاءت أحداث 'طوفان الأقصى' لتشكل منعطفاً حاسماً في وعي المنطقة تجاه المخاطر الوجودية التي يمثلها المشروع الصهيوني. فقد ساهمت هذه التطورات في فرملة مسارات التطبيع التي كانت تهدد بإعادة هندسة المنطقة على أسس صراعية مدمرة بين العرب وإيران.

أطلقت التطورات في غزة إرادة بينية مضافة للحوار والتعاون، حيث أدركت القوى الإقليمية أن استمرار الانقسام يخدم الأجندات الخارجية فقط. هذا الإدراك دفع نحو البحث عن قواسم مشتركة تحمي الكيانات الوطنية من التهديدات المشتركة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي.

تساهم الظروف الدولية الراهنة، المتمثلة في تراجع الأحادية القطبية الأمريكية، في تحسين أرضية التقارب بين الرياض وطهران. فالفشل في سياسات الابتزاز والضغوط القصوى أثبت أن الحلول العسكرية والأمنية لم تعد مجدية في عالم متعدد الأقطاب.

برزت الصين كشريك اقتصادي أكثر موثوقية مقارنة بالسياسات الأمريكية التي اتسمت بالتخلي عن الحلفاء في الأزمات. هذا التحول في موازين القوى الدولية شجع دول المنطقة على بناء أرضية صلبة للحوار المباشر بعيداً عن التصورات الغربية المسبقة.

إن نجاح هذا الحوار يعتمد بشكل أساسي على الإرادة السياسية وموازنة المصالح، تماماً كما حدث في تجارب تاريخية سابقة بين القوى الأوروبية. فالدول التي خاضت حروباً طاحنة تمكنت في النهاية من بناء اتحادات قوية من خلال التركيز على المصالح المشتركة والخطاب التصالحي.

تمتلك دول الخليج إرثاً ثقافياً ودينياً مشتركاً لا يوجد له نظير في العالم، وهو ما يشكل قاعدة متينة لبناء الثقة المتبادلة. وإذا ما تم استبعاد 'المعضلة الأمنية' التي صممها الغرب لعقود، فإن آفاقاً واعدة تنتظر المنطقة في مجالات التعاون العلمي والاقتصادي.

يعتبر أمن مضيق هرمز والتعاون في ملفات لبنان وفلسطين اختبارات حقيقية لمدى جدية هذا المسار التقاربي. فالتنسيق في هذه الملفات يضمن رفع التهديدات الخارجية ويحفظ خصوصية الدول واستقرارها بعيداً عن التدخلات الأجنبية التي تذكي الصراعات.

في الختام، تبرز الحاجة إلى مبادرات رمزية تعزز هذا التقارب، مثل مقترح تسمية 'الخليج الإسلامي' كعنوان للوحدة والتعاون. إن المستقبل يتطلب تطلعاً للأمام وتجاوزاً لعقبات الماضي، فالعالم يفتح صفحة جديدة تتطلب تكاتف الجهود الإقليمية لضمان مكانة تليق بشعوب المنطقة.

دلالات

شارك برأيك

ضفتا الخليج: تحولات الواقع وتحديات بناء الثقة في ظل المتغيرات الدولية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.