عربي ودولي

الخميس 28 مايو 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة السنغال في مرآة نواكشوط: مخاوف من تصدع 'ثنائي التغيير' وتأثيره على ملفات الغاز والأمن

تواصل الأوساط السياسية والإعلامية في موريتانيا انشغالها الواسع بمجريات الأزمة السياسية المتصاعدة في الجارة السنغال، عقب قرار الرئيس باسيرو ديوماي فاي إقالة حليفه القوي ورئيس وزرائه عثمان سونكو. هذا الاهتمام غير المسبوق يعكس إدراكاً عميقاً لمدى تداخل المصالح بين نواكشوط وداكار، حيث تجاوز النقاش مجرد الفضول السياسي ليصل إلى تحليل التداعيات الاستراتيجية على البلدين.

ويرى مراقبون أن استقرار السنغال يمثل ركيزة أساسية للأمن القومي الموريتاني، نظراً للحدود المشتركة والتداخل الديموغرافي والاجتماعي الكثيف على ضفتي النهر. إن أي اهتزاز في المنظومة السياسية السنغالية قد يلقي بظلاله على ملفات حساسة، أبرزها التنسيق الأمني ومكافحة الهجرة غير النظامية، وهي قضايا تتطلب استقراراً مؤسساتياً ثابتاً في داكار.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تبرز شراكة الغاز كأحد أهم الدوافع وراء القلق الموريتاني، حيث يتقاسم البلدان حقل 'السلحفاة آحميم الكبير' البحري. هذا المشروع الضخم يمثل رهان الحكومات لتعزيز النمو الاقتصادي، وأي اضطراب سياسي قد يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين الدوليين أو تأخير الجداول الزمنية للإنتاج، مما يضر بالمصالح المالية المباشرة لكلا الطرفين.

كما يرتبط البلدان بشبكة مصالح معقدة ضمن منظمة استثمار نهر السنغال، التي تدير مشاريع حيوية في مجالات الطاقة الكهرومائية والري والزراعة. هذه المشاريع لا تمثل فقط شريان حياة للمزارعين والسكان المحليين، بل هي جزء من رؤية تكاملية إقليمية قد تتعرض للتعطيل في حال دخلت السنغال في نفق من عدم الاستقرار السياسي الطويل.

وفي سياق القراءات السياسية، أعرب النائب الموريتاني المعارض محمد الأمين سيدي مولود عن خشيته من أن يؤدي الانقسام داخل السلطة السنغالية إلى إضعاف 'نموذج التغيير الشبابي'. وحذر سيدي مولود من أن هذا الصراع قد يمنح القوى التقليدية فرصة لاستعادة زمام المبادرة، مما قد ينهي تجربة سياسية كانت ملهمة للكثيرين في المنطقة الإفريقية.

من جانبه، قدم الخبير القانوني كورمو عبدول لو رؤية مغايرة، معتبراً أن إقالة سونكو قد لا تعني نهايته السياسية بل ربما تكون بداية لمرحلة نفوذ أقوى. وأشار إلى أن سونكو، بصفته زعيماً لحزب 'باستيف' الذي يمتلك الأغلبية البرلمانية، قد يجد في المؤسسة التشريعية منصة قوية لممارسة سلطاته بعيداً عن قيود العمل التنفيذي المباشر.

واستند الخبير في تحليله إلى المادة 87 من الدستور السنغالي، التي تحصن الجمعية الوطنية من الحل خلال أول سنتين من عمرها التشريعي. هذا المعطى القانوني يمنح سونكو وحزبه هامشاً واسعاً للمناورة، مما قد يحول البرلمان إلى مركز الثقل الحقيقي في مواجهة مؤسسة الرئاسة، ويخلق حالة فريدة من التعايش السياسي القسري.

ويرى محللون أن أي رئيس وزراء جديد سيخلف سونكو سيواجه تحديات جسيمة في إدارة حكومة تفتقر لقاعدة سياسية مستقلة. فالسلطة التنفيذية ستظل مرتهنة لأغلبية برلمانية تدين بالولاء السياسي لسونكو، مما قد يجعل الحكومة في وضع هش وغير قادر على تمرير التشريعات أو السياسات دون مباركة من رئيس الوزراء المقال.

في مقابل هذا الاندفاع في التحليل، ظهرت أصوات موريتانية تدعو إلى التريث وعدم الانخراط المبالغ فيه في الشأن السنغالي الداخلي. ودعا مسؤولون في وزارة الاتصال الموريتانية إلى ضرورة التحلي بالمسؤولية، مؤكدين أن التدخل الإعلامي والسياسي في خلافات الجيران قد يسبب حساسيات دبلوماسية لا تخدم المصالح الوطنية العليا.

وتساءل الإعلامي الهيبة الشيخ سيداتي عن أسباب هذا 'الفضول السياسي' الطاغي، مشيراً إلى أن النخب السنغالية لا تظهر اهتماماً مماثلاً بالأزمات الداخلية الموريتانية. واعتبر أن جزءاً من هذا السلوك يعود إلى الخلفيات الأيديولوجية للنخب الموريتانية، لكنه حذر من أن تحويل وسائل التواصل لساحات تحكيم خارجية قد يضر بالعلاقات الثنائية.

كما استذكر بعض المتابعين تجارب سابقة أدى فيها التفاعل الشعبي والإعلامي المفرط مع أزمات الجوار إلى توترات دبلوماسية، كما حدث في بعض الملفات مع مالي. ويشدد هؤلاء على أن السنغال تمتلك مؤسسات عريقة ونخباً قادرة على تسوية خلافاتها داخلياً دون الحاجة لتدخلات أو اصطفافات من خارج الحدود قد تزيد المشهد تعقيداً.

وعلى مستوى الرأي العام الرقمي، اعتبر المدون شيخنا محمد سلطان أن ما جرى في السنغال يمثل انتكاسة لتيار التغيير في القارة السمراء. ورسم سلطان سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة، تتراوح بين قبول سونكو بالإقصاء التدريجي أو اللجوء إلى الشارع، وهو الخيار الذي يخشى الجميع أن يهدد السلم الأهلي في واحدة من أكثر ديمقراطيات المنطقة استقراراً.

وتبقى الوساطات الداخلية في السنغال هي الرهان الأخير للحفاظ على شعرة معاوية بين الرئيس فاي وحليفه السابق سونكو حتى موعد الانتخابات القادمة. فالفشل في احتواء هذا الخلاف قد يفتح الباب أمام مرحلة من الغموض السياسي، لا تتوقف آثارها عند حدود السنغال، بل تمتد لتشمل الجوار الإقليمي الذي يراقب الوضع بحذر شديد.

إن الأزمة السنغالية، في نظر الموريتانيين، هي اختبار حقيقي لمدى نضج المؤسسات الديمقراطية في غرب إفريقيا وقدرتها على الصمود أمام طموحات الأفراد. ومع استمرار الغموض، تظل نواكشوط تراقب عن كثب، مدركة أن استقرار داكار هو ضمانة أساسية لاستمرار تدفق الغاز وحماية الحدود المشتركة من أي اضطرابات محتملة.

دلالات

شارك برأيك

أزمة السنغال في مرآة نواكشوط: مخاوف من تصدع 'ثنائي التغيير' وتأثيره على ملفات الغاز والأمن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.