أكد مزارعون وخبراء في السودان أن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والأسمدة على مستوى العالم، والناتج عن التوترات العسكرية الإقليمية، سيجبرهم على تقليص المساحات المزروعة خلال الموسم الصيفي الحالي. هذا التراجع في النشاط الزراعي يهدد بحدوث نقص حاد في إنتاج الغذاء داخل بلد يعاني أصلاً من ويلات الحرب الأهلية والمجاعة المستشرية.
وأفادت مصادر ميدانية بأن تكاليف المدخلات الزراعية الأساسية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مما سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الناجمة عن الصراع الداخلي. ومن المتوقع أن تتأثر المحاصيل الاستراتيجية مثل الذرة الرفيعة والدخن، بالإضافة إلى المحاصيل النقدية المخصصة للتصدير كالسمسم، مما يضع الاقتصاد السوداني المنهك أمام تحديات إضافية.
وتشير البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن السودان يعد من أكثر الدول عرضة لتداعيات الأزمات الإقليمية، نظراً لاعتماده الكبير على دول الجوار والخليج لتأمين أكثر من نصف احتياجاته من الأسمدة. كما أن الصراع المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع جعل البلاد تعتمد بشكل كلي على استيراد الوقود من الخارج لتشغيل الآليات ومضخات الري.
ويقف السودان اليوم في طليعة الدول المتأثرة بأزمة غذائية عالمية تلوح في الأفق، خاصة مع تقلص ميزانيات المساعدات الدولية الموجهة للإغاثة. وحذر مرصد عالمي للجوع من أن نحو 19.5 مليون شخص، وهو ما يمثل أكثر من 40% من إجمالي السكان، يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، مع خطر حقيقي بحدوث مجاعة في عدة مناطق.
وعلى الرغم من أن الإمكانات الزراعية الهائلة للسودان كانت دائماً محط أنظار المستثمرين، إلا أن القطاع ظل يعاني لعقود من سوء الإدارة والنزاعات المسلحة. ويعتمد نحو ثلثي سكان البلاد على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق، مما يجعل أي تدهور في هذا القطاع ضربة قاضية لسبل عيش الملايين من الأسر السودانية.
وصرح صادق الأمين، المحلل في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، بأن الصراعات الإقليمية الأخيرة ضاعفت من حجم التحديات القائمة، محذراً من انخفاض الإنتاج الإجمالي بنسبة قد تصل إلى 40%. وأضاف أن استمرار هذه الصدمات السعرية يهدد بتجاوز الأزمة الغذائية الحالية لتصل إلى مستويات كارثية غير مسبوقة.
وفي المناطق التي يسيطر عليها الجيش في وسط وشرق البلاد، يحاول المزارعون استعادة نشاطهم، إلا أن العقبات المالية تقف حائلاً أمامهم. ففي مشروع الجموعية جنوب أم درمان، كان المزارعون يأملون في موسم واعد بعد استعادة المنطقة، لكنهم صدموا بارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة 67% والوقود بأكثر من الضعف.
الحرب الإقليمية زادت الطين بلة، والإنتاج الزراعي الإجمالي في السودان قد ينخفض بما لا يقل عن 40 بالمئة.
ويشكو المزارعون من أن تكاليف تشغيل مضخات الري بالديزل أصبحت تستهلك كافة الأرباح المتوقعة، مما يجعل الزراعة عملية خاسرة اقتصادياً. وأشار مسؤولون في مشروع الجموعية إلى أنه لم يتم زراعة سوى 500 فدان فقط من إجمالي 10 آلاف فدان، وهو مؤشر خطير على تراجع الإنتاج مع انتصاف الموسم الزراعي.
وفي سياق متصل، يواجه مشروع الجزيرة، الذي كان يمثل سلة غذاء السودان، تدهوراً كبيراً في البنية التحتية منذ اندلاع القتال. وأكد رؤساء جمعيات زراعية أن غياب عمليات الإصلاح للقنوات والمضخات، تزامناً مع ثبات أسعار المحاصيل أمام ارتفاع التكاليف، دفع المزارعين إلى العزوف عن زراعة القمح والذرة.
ويعاني البنك الزراعي السوداني، المنوط به تمويل المزارعين، من شلل شبه تام نتيجة تأثره بالصراع الذي ضرب القطاع المالي في البلاد. ويقول مزارعون إن البنك يضع شروطاً قاسية وأسعاراً مرتفعة للمدخلات، في حين يشتري المنتجات بأسعار منخفضة، مما يوقعهم في فخ الديون المتراكمة التي لا ينتهي أثرها.
من جانبها، أعلنت وزارة الزراعة السودانية عن محاولات لإنشاء صندوق جديد بالتعاون مع البنك الزراعي لتمويل المزارعين وتخفيف أعباء تكاليف الوقود. وأوضحت مصادر رسمية في الوزارة أن العمل جارٍ لإعادة تأهيل قنوات الري وإصلاح المضخات في عدة مواقع حيوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموسم الحالي.
وفي ولايات دارفور وكردفان، يمثل غياب الأمن التهديد الأكبر لإنتاج الفول السوداني والصمغ العربي، حيث تنتشر عمليات النهب والترويع. ويؤكد مزارعون نازحون أن غياب التمويل والماكينات، بالإضافة إلى الجبايات التي تفرضها المجموعات المسلحة عند نقاط التفتيش، جعلت من الزراعة مهمة مستحيلة في تلك المناطق.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن العديد من الآليات الزراعية والجرارات قد تعرضت للنهب خلال المداهمات المسلحة، بينما تم تجنيد العمال الزراعيين قسراً للقتال. هذا النزوح الجماعي للسكان من المناطق الزراعية الخصبة أدى إلى بقاء مساحات شاسعة من الأراضي دون تحضير أو زراعة للموسم القادم.
وختاماً، يرى خبراء في شركات توريد المواد الزراعية أن إيصال الإمدادات إلى مناطق النزاع بات مغامرة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر الأمنية. ويظل صغار المزارعين، الذين يزرعون لتأمين قوت يومهم فقط، هم الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، حيث يواجهون خطر الجوع المباشر في ظل غياب الدعم الحكومي والدولي.





شارك برأيك
أزمة الوقود والأسمدة العالمية تضاعف معاناة القطاع الزراعي في السودان