فلسطين

الإثنين 25 مايو 2026 6:49 مساءً - بتوقيت القدس

حرب 'الثروة الحيوانية'.. المستوطنون يقطعون شريان الحياة الثاني للمزارع الفلسطيني

لا تزال آثار الجريمة البشعة التي ارتكبها مستوطنون متطرفون في بلدة السموع جنوب الخليل ماثلة في أذهان السكان، حيث تسببت مادة حارقة ألقيت داخل حظيرة المزارع خليل أبو غنام بتفحم 75 رأساً من الماعز. هذه الحادثة التي وثقتها كاميرات المراقبة، لم تكن مجرد اعتداء عابر، بل تعكس سياسة ترهيبية تهدف إلى ضرب العمود الفقري للاقتصاد الريفي الفلسطيني.

تعتمد بلدة السموع، التي يقطنها نحو 26 ألف نسمة، بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي كمصدر دخل وحيد. ويرى خبراء أن استهداف الحيوانات يأتي في المرتبة الثانية من حيث الخطورة بعد مصادرة الأراضي، كونه يؤدي إلى تحولات اقتصادية واجتماعية قسرية تدفع المزارعين نحو التهجير وفقدان مقومات الصمود.

أفادت مصادر محلية بأن الخسائر المادية الناتجة عن حرق حظيرة أبو غنام تجاوزت 200 ألف شيقل، في إطار ما يعرف بسياسة 'تدفيع الثمن'. ولم يكتفِ المستوطنون بالجريمة، بل وجهوا تهديدات مباشرة للمزارع عبر الهاتف، مؤكدين أن الهجمات القادمة ستكون أكثر عنفاً وفتكاً بممتلكاته.

في سياق متصل، شهدت خربة الطويل جنوب شرق نابلس اعتداءً من نوع آخر، حيث استخدمت مجموعات من المستوطنين مركبات دفع رباعي لدهس قطعان الأغنام بشكل متعمد. وقد وثق ناشطون قيام المستوطنين بالتقدم بمركباتهم وسط القطيع، مما أدى إلى نفوق وإصابة عدد من الخراف تحت عجلات المركبات.

تحولت سرقة المواشي في الآونة الأخيرة من حالات فردية إلى ظاهرة منظمة تحظى بحماية كاملة من جيش الاحتلال الإسرائيلي. وتؤكد تقارير حقوقية، من بينها معطيات منظمة 'بتسيلم' أن هذه العمليات تتم بوضوح تام وفي وضح النهار، وغالباً ما يتم تجاهل شكاوى المزارعين من قبل الشرطة الإسرائيلية.

تشير بيانات منظمة 'البيدر' الحقوقية إلى أرقام صادمة، حيث سرق المستوطنون أكثر من 12 ألف رأس من الماشية خلال العام الماضي. ومع بداية عام 2026، استمرت الوتيرة التصاعدية لتسجل سرقة نحو 1500 رأس إضافية، مما يهدد بانهيار قطاع تربية المواشي في التجمعات البدوية والقروية.

أكد عباس ملحم، رئيس اتحاد جمعيات المزارعين أن ما يحدث هو عملية 'إيلام ممنهجة' تهدف لقلع المزارع من أرضه. وأوضح أن حرمان المزارع من حيواناته يعني تدمير مصدر رزقه الثاني، مما يحول حياته إلى جحيم ويجرده من أدوات البقاء في المناطق المستهدفة بالاستيطان.

كشف ملحم عن تراجع حاد في أعداد الثروة الحيوانية في فلسطين، حيث انخفضت من مليون و750 ألف رأس غنم إلى نحو 480 ألف رأس فقط. هذا التراجع الذي يقدر بنحو 72% يمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي الفلسطيني، خاصة في قطاعي اللحوم والألبان التي كانت تحقق اكتفاءً ذاتياً في السابق.

تستغل المجموعات الاستيطانية الفراغ الذي يتركه المزارعون الفلسطينيون المطرودون لتبدأ هي بعمليات تربية المواشي المسروقة أو المشتراة بدعم حكومي. ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يجبر الفلسطينيين مستقبلاً على شراء أضاحيهم من المستوطنين الذين استولوا على مراعيهم وحيواناتهم.

تنفذ الحكومة اليمينية الحالية سياسة الضم الصامت عبر توكيل المهام الميدانية للمستوطنين المسلحين الذين يمارسون 'إنفاذ القانون' بأسلوب العصابات. وتتمتع هذه المجموعات في كثير من الأحيان بسلطة تفوق سلطة الجيش في الميدان، مما يسهل عمليات التطهير العرقي الصامت في المناطق المصنفة 'ج'.

تتنوع التقنيات التي يستخدمها المستوطنون لتهجير العائلات الزراعية، بدءاً من الهجمات الليلية التي تهدف للتخويف، وصولاً إلى تخريب شبكات الري وسرقة الأعلاف. هذه الاعتداءات المتكررة تجعل الاستمرار في مهنة تربية المواشي أمراً مستحيلاً في ظل غياب الحماية الدولية والمحلية.

تعتبر مستوطنة 'عسائيل' و'شمعة' من أبرز البؤر التي تنطلق منها الهجمات ضد سكان بلدة السموع والقرى المجاورة. ويشكل القرب الجغرافي من هذه التجمعات الاستيطانية خطراً دائماً على المزارعين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين مطرقة اعتداءات المستوطنين وسندان القيود العسكرية.

يرى نشطاء أن توثيق هذه الجرائم بالفيديو لم يعد كافياً لردع المستوطنين الذين يظهرون بوجوه مكشوفة دون خوف من الملاحقة. فالمنظومة القانونية للاحتلال توفر غطاءً كاملاً للسارقين، وغالباً ما يتم إبلاغ الضحايا بأن ممتلكاتهم المسروقة 'لا تعود لهم' عند محاولة استردادها قانونياً.

إن استهداف الثروة الحيوانية يمثل حلقة جديدة في مسلسل الصراع على الأرض، حيث يسعى الاحتلال لتفريغ المناطق الرعوية من أصحابها الأصليين. ويبقى المزارع الفلسطيني وحيداً في مواجهة آلة تدمير تستهدف كل مقومات حياته، من شجرة الزيتون وصولاً إلى قطيع الأغنام.

دلالات

شارك برأيك

حرب 'الثروة الحيوانية'.. المستوطنون يقطعون شريان الحياة الثاني للمزارع الفلسطيني

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.