يرصد الكتاب البنية الفكرية والسياسية التي حكمت الرؤية الغربية للشرق الأوسط عقب نهاية الحرب الباردة، حيث تداخلت الاستراتيجية بالإيديولوجيا بشكل معقد. وقد تحولت مفاهيم براقة مثل 'نشر الديمقراطية' و'المجتمع الدولي' إلى أدوات وظيفية لتبرير الهيمنة وإعادة رسم الخرائط السياسية للدول العربية والإسلامية بما يخدم المصالح الغربية.
يبرز التحليل دور من يصفهم بـ 'الأغبياء الجدد'، وهم النخبة التي أعادت إنتاج خطاب التفوق الغربي في صيغة أحادية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتسعى هذه القوى إلى إدارة العالم بمنطق التفكيك والاحتواء، معتمدة على هندسة الإقليم عبر 'الفوضى المنظمة' التي تضمن بقاء الولايات المتحدة كقوة وحيدة مهيمنة.
تعد نظريات المستشرق برنار لويس حجر الزاوية في المخطط الأمريكي الصهيوني، حيث نادى بضرورة 'بلقنة الحزام الأخضر' أي العالم العربي والإسلامي وتجزئته إلى كيانات ضعيفة. وقد عمل لويس مستشاراً لمجلس الأمن القومي الأمريكي وبنيامين نتنياهو، مما يعكس الترابط العضوي بين الفكر الأكاديمي والمشاريع الاستعمارية على الأرض.
يرى لويس أن استقرار الدول الإسلامية يمثل خطراً على المصالح الإمبريالية، ولذلك اقترح استراتيجية تقوم على إضعاف هذه الدول وضرب استقرارها من الداخل. ويتم ذلك عبر خلق كيانات طائفية وعرقية متناحرة، وإشاعة التوتر بين المذاهب الإسلامية لضمان بقاء المنطقة في حالة صراع دائم يستنزف مقدراتها.
انتقلت هذه الأفكار إلى حيز التنفيذ الأوسع مع صامويل هنتنجتون الذي صاغ نظرية 'صدام الحضارات'، محولاً الصراع من طابعه الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية إلى صراع ثقافي وديني. وبحسب هذه الرؤية، أصبح العالم العربي والإسلامي هو العدو الجديد الذي يجب مواجهته تحت ذريعة مكافحة الإرهاب العالمي.
يشير الكتاب إلى أن الغرب نصب نفسه 'مجتمعاً دولياً' في ظل غياب البديل القوي، وبدأ في إدارة الكرة الأرضية وفقاً لمصالح 'محور الخير' اليهودي المسيحي. هذا التوجه يعكس ميراثاً استعمارياً لم يهضم بعد، خاصة فيما يتعلق باتفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور التي لا تزال ذكرياتها تسمم العلاقات الدولية.
تجلت الغطرسة الأمريكية في ابتكار مصطلحات مثل 'الدول الفاشلة' و'الدول المارقة' لتبرير التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة. هذه المفاهيم هي نتاج مختبرات قانونية ولغوية تهدف إلى إضفاء شرعية زائفة على عمليات زعزعة الاستقرار التي طالت دولاً عديدة في المنطقة العربية.
المخطط الأمريكي الصهيوني في إقليم الشرق الأوسط يقومُ على تقسيم المنطقة وتفكيكها إلى دويلاتٍ طائفيةٍ ومذهبيةٍ وعرقيةٍ تسهيلاً لبسط الهيمنة وتصفية القضية الفلسطينية.
يؤكد التحليل أن الولايات المتحدة تتبع سياسة أحادية الجانب تقوم على الإنكار التام لمبادئ القانون الدولي التي تتشدق بها في خطاباتها الرسمية. وقد أدى هذا السلوك إلى فقدان واشنطن لمصداقيتها الأخلاقية، خاصة مع استمرار المجازر بحق المدنيين وانتهاك الحريات تحت غطاء 'الحماية' الدولية.
لم تكن الدول الأوروبية بمنأى عن هذا الانحدار، حيث يرى الكاتب أن فرنسا وبريطانيا تحولتا إلى مجرد أقاليم تابعة للإمبراطورية الأمريكية ضمن 'مجموعة بلدربرغ'. وقد تخلت فرنسا تحديداً عن سياستها العربية المستقلة التي أرساها ديغول، لتنخرط بشكل كامل في الشراك الأطلسية والصهيونية.
إن العودة القوية للنزعات الاستعمارية في السياسة الأوروبية تعكس خضوع القادة أو 'استعمار العقول' الذي مارسته واشنطن على حلفائها طوال عقود. وتظهر هذه الوقاحة السياسية في الرغبة المحمومة للعودة إلى أساليب الانتداب القديمة وتفتيت الأراضي العربية بما يخدم أمن الكيان الصهيوني.
يعتبر الكتاب أن الإمبراطورية الأمريكية تعيش حالياً مرحلة الأفول التاريخي، رغم كل مظاهر القوة العنيفة التي تمارسها في العالم. فالتاريخ يثبت أن الإمبراطوريات التي تؤسس على الغباء الاستراتيجي والغطرسة المطلقة تكون آيلة للزوال مهما بلغت درجة هيمنتها العسكرية.
يبرز النص كيف جرى توظيف السرديات الثقافية والأكاديمية لتبرير الحروب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، معتبراً إياها محاولة للإبقاء على الهيمنة. هذه الحرب لا تستهدف الأنظمة السياسية فحسب، بل تسعى لتفكيك النسيج الاجتماعي والهوية الثقافية للشعوب التي ترفض التبعية المطلقة للغرب.
في نهاية المطاف، يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً حول مآلات النظام العالمي المعاصر في ظل صعود قوى دولية جديدة تتحدى الأحادية القطبية. فهل سينجح العالم في صياغة نظام دولي جديد يقوم على توازن القوى، أم سيستمر منطق 'الغابة' الذي تفرضه القوى الإمبريالية الحالية؟
يبقى المخطط الصهيوني في قلب هذه التحولات، حيث تظل تصفية القضية الفلسطينية هدفاً استراتيجياً ثابتاً لكل المشاريع الغربية في المنطقة. ومن هنا تبرز أهمية الوعي بهذه المخططات الفكرية التي تسبق عادة التحركات العسكرية والسياسية على أرض الواقع الفلسطيني والعربي.





شارك برأيك
نقد العقل الاستراتيجي الغربي: كيف صاغ 'الأغبياء الجدد' خطة تفكيك الشرق الأوسط؟