يواصل الجيش التركي استعراض نفوذه الإقليمي المتنامي من خلال تنفيذ مناورات 'زيرو-2026' السنوية، والتي تعكس قفزة نوعية في القدرات العسكرية النظامية. تركز هذه التدريبات الضخمة على العمليات المعقدة والتكامل بين القوات البحرية والجوية والبرية، مما يبعث برسائل قوية حول جاهزية أنقرة القتالية.
أفادت مصادر إعلامية بأن تركيا تسعى لتثبيت مكانتها كمهندس رئيسي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة مع اقتراب موعد استضافتها لقمة الحلف في يوليو المقبل. وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه القارة الأوروبية قلقاً متزايداً بشأن الالتزامات الأمريكية طويلة الأمد وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
ترى أنقرة في الأزمات الدولية الراهنة، سواء في شرق أوروبا أو في مضيق هرمز، فرصة استراتيجية لتغيير قواعد اللعبة التاريخية داخل الحلف. وقد عبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن هذه الرؤية خلال الاجتماعات التحضيرية في السويد، مؤكداً رغبة بلاده في التحول إلى قوة فاعلة ومؤثرة.
لم تكتفِ تركيا بالخطاب السياسي، بل قدمت وزارة الدفاع مشروعاً مبتكراً لإنشاء خط أنابيب وقود مخصص لتأمين إمدادات الطاقة على الجناح الشرقي للناتو. ويتميز هذا المشروع بكونه أكثر اقتصادية بخمس مرات من البدائل المتاحة، مما يعزز من ثقل تركيا اللوجستي داخل التحالف العسكري.
شهدت مناورات 'زيرو-2026' مشاركة غير مسبوقة لقوات من ليبيا وسوريا، في خطوة تهدف إلى إظهار الامتداد الميداني للنفوذ التركي في الشرق الأوسط. ونفذت القوات المشاركة هجوماً برمائياً واسع النطاق، تم تنسيقه وإدارته مباشرة من سفينة القيادة 'تي سي جي أنادولو'، التي تعد أول حاملة طائرات بدون طيار في العالم.
خلال العمليات الميدانية، تم نشر مركبات الإنزال المدرعة من طراز 'ZAHA' وزوارق إنزال متنوعة لاقتحام مناطق محددة على الشواطئ في توقيت متزامن. وشاركت في موجات الإنزال نحو 30 زورقاً هجومياً من طراز 'Karayil' المتطور، والتي حملت عناصر من مشاة البحرية وقوات الهندسة القتالية.
الرسالة التركية قبل قمة أنقرة واضحة: الانتقال من وضع العضو السلبي إلى قوة استراتيجية فاعلة تقود التحولات في المنطقة.
لضمان نجاح عمليات الإنزال، استعانت القوات التركية بفرق متخصصة في إزالة الألغام استخدمت مركبات آلية متطورة تعمل تحت الماء لتطهير المسارات. ووفرت المروحيات الهجومية من طراز 'أتاك' وبطاريات المدفعية غطاءً نارياً كثيفاً ومستمراً للقوات المتقدمة نحو أهدافها البرية.
ساهم سلاح الجو التركي بفعالية عبر مقاتلات 'إف-16' التي نفذت ضربات دقيقة على أهداف شاطئية، مستخدمة نحو 150 قذيفة مدفعية وأضواء تمويهية لتأمين القوات. كما تضمن التمرين مناورة هبوط جوي مثيرة شارك فيها سرب مكون من 21 مروحية متنوعة المهام بين الهجوم والنقل العسكري.
قامت مروحيات 'شينوك' و'بلاك هوك' بنقل قوات الكوماندوز إلى مناطق استراتيجية، بينما تولت مروحيات 'S-70' نقل مدافع 'بوران' عيار 105 ملم ومركبات القيادة جواً. وشملت التدريبات سيناريوهات طارئة لإجلاء الجرحى ونقلهم إلى مستشفيات ميدانية متنقلة لضمان استمرارية العمليات القتالية.
برز خلال المناورات استعراض منظومة الدفاع الجوي التركية الجديدة 'القبة الفولاذية'، حيث تم تشغيل مكوناتها بشكل نشط أمام المراقبين. وتهدف هذه الخطوة إلى توجيه رسالة واضحة حول التطور التكنولوجي الذاتي الذي وصلت إليه الصناعات الدفاعية التركية وقدرتها على حماية أجوائها.
تشير هذه التطورات إلى أن تركيا لم تعد تكتفي بدور العضو التقليدي في الناتو، بل تسعى لفرض واقع جديد يعتمد على قوتها العسكرية الذاتية ومبادراتها الاستراتيجية. وتراقب العواصم الغربية باهتمام هذه المناورات التي تعيد صياغة موازين القوى في منطقة شرق المتوسط والجناح الشرقي للحلف.





شارك برأيك
مناورات 'زيرو-2026': تركيا تستعرض قوتها العسكرية وتثير تساؤلات داخل حلف الناتو