رسم الكاتب الإسرائيلي يواف ليمور صورة قاتمة للمواجهة المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن ملامح الحرب القادمة بدأت تتشكل بوضوح. وأشار ليمور في تحليل نشرته صحيفة 'إسرائيل اليوم' إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حسم أمره أخيراً وقرر العودة إلى خيار القتال بعد فترة من التردد. ويرى الكاتب أن هذا القرار نابع من إدراك واشنطن وتل أبيب لصعوبة كسر الإرادة الإيرانية دون توجيه ضربة عسكرية قاصمة.
تحدث ليمور عما وصفه بـ 'الإحباط الثلاثي' الذي يسيطر على تفكير الرئيس الأمريكي في هذه المرحلة الحساسة. ويتمثل الوجه الأول لهذا الإحباط في الفشل بتحويل الإنجازات العسكرية والميدانية الكبيرة إلى مكاسب سياسية ملموسة على طاولة التفاوض. فبدلاً من أن تظهر طهران في موقف الخاضع والمنكسر، تواصل إدارة مفاوضاتها بندية عالية تثير حنق الإدارة الأمريكية.
أوضح التحليل أن الإيرانيين يمارسون سياسة فرض الشروط، مما يجعل واشنطن تبدو في موقف الطرف المطالب بالامتثال بدلاً من الطرف المنتصر. هذا التناقض بين القوة العسكرية والنتائج الدبلوماسية يضع ترامب في مأزق أمام جمهوره وحلفائه. ويبدو أن الرهان على انهيار النظام الإيراني تحت ضغط العقود العسكرية لم يؤتِ ثماره السياسية المرجوة حتى الآن.
أما الجانب الثاني من الإحباط فيتعلق باستنزاف الوقت والجهد الأمريكي في الملف الإيراني على حساب قضايا دولية أخرى. كان ترامب يطمح للانتقال إلى ملفات اقتصادية وتوسعية في مناطق مثل كوبا وغرينلاند، لكنه وجد نفسه عالقاً في رمال الشرق الأوسط المتحركة. هذا الانشغال يعيق خططه لتوزيع ما وصفه الكاتب بـ 'غنائم الحرب' وتوقيع العقود التجارية الكبرى.
تتزامن هذه التوترات مع اقتراب موعد انطلاق كأس العالم الذي تستضيفه الولايات المتحدة بالاشتراك مع كندا والمكسيك بعد أسابيع قليلة. ويمثل هذا الحدث أهمية رمزية كبرى لترامب، خاصة وأنه يترافق مع احتفالات الذكرى الـ 250 لاستقلال أمريكا. وكان من المفترض أن تكون هذه المناسبة منصة للاحتفال بالزعامة الأمريكية المطلقة، لا الانشغال بحرب إقليمية مفتوحة.
يبرز الإحباط الثالث في غياب خطة عسكرية محكمة تضمن نصراً سريعاً وخاطفاً ينهي التهديد الإيراني للأبد. وأفادت مصادر بأن جنرالات البنتاغون لا يملكون ضمانات كافية لتقديم حسم عسكري لا يجر البلاد إلى استنزاف طويل الأمد. هذا التردد العسكري يثير مخاوف ترامب من تراجع شعبيته إلى مستويات قياسية إذا ما تعثرت العمليات الحربية.
حذر ليمور من أن أي مناورات عسكرية غير محسومة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلاً من حلها، مما يضعف الموقف الأمريكي عالمياً. ويرى الكاتب أن الفشل في تحقيق هزيمة نكراء لإيران سيعطي انطباعاً بالعجز لا يمكن ترميمه بسهولة. إن الخوف من 'نصف انتصار' هو ما يؤرق صانع القرار في تل أبيب وواشنطن على حد سواء في الوقت الراهن.
الإيرانيون يتصرفون وكأنهم هم من يملون الشروط، والولايات المتحدة هي من يجب عليها الامتثال رغم تفوقها العسكري.
شدد المقال على أن الإيرانيين يمتلكون قدرة فريدة على تحويل الخسائر المادية والعسكرية إلى انتصارات معنوية وسياسية. ومهما بلغت شدة الضربات التي قد تستهدف جيشهم أو صناعاتهم العسكرية، فإنهم يبرعون في إعادة تسويق صمودهم كقوة إقليمية. هذا السلوك الإيراني يجعل من الصعب على أي قوة خارجية كسر إرادتهم عبر القوة الصلبة وحدها.
أشار الكاتب إلى أن التداعيات الاقتصادية العميقة التي لحقت بإيران لم تمنعها من مواصلة مشروعها الإقليمي وتحدي الإرادة الدولية. ويبدو أن النظام في طهران يراهن على عامل الوقت وتعب الخصوم لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. هذا الصمود يضعف من فاعلية استراتيجية 'الضغط الأقصى' التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية.
هناك قلق إسرائيلي متزايد من أن فشل ترامب في حسم المواجهة سيجعل أي رئيس أمريكي مستقبلي يتردد في تكرار المحاولة. فالهزيمة أو التعثر أمام إيران سيعني تثبيت مكانتها كقوة نووية أو إقليمية لا يمكن المساس بها. وهذا السيناريو هو الكابوس الأكبر الذي تسعى الدوائر الأمنية في تل أبيب لتجنبه بكل الوسائل المتاحة.
لفت ليمور إلى أن الجيش الإيراني، رغم الأضرار التي قد تلحق به، سيحول أي مواجهة إلى وسيلة لتعزيز نفوذه المحلي والدولي. إن القدرة على الصمود في وجه القوة العظمى الوحيدة في العالم تمنح طهران شرعية إقليمية واسعة بين حلفائها. وهذا ما يجعل من الحرب خياراً محفوفاً بالمخاطر السياسية التي تتجاوز حدود الميدان العسكري.
تطرق التحليل أيضاً إلى دور الحلفاء الإقليميين وتأثرهم بأي مواجهة مباشرة قد تندلع في المنطقة. فالحرب لن تكون محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستمتد آثارها لتشمل كافة الجبهات المرتبطة بإيران. وهذا التعقيد هو ما يجعل الجنرالات الأمريكيين يطالبون بمزيد من الوقت لدراسة كافة الاحتمالات والردود الممكنة.
ختم ليمور مقاله بالتأكيد على أن اللحظة الراهنة هي الأكثر خطورة في تاريخ الصراع مع المشروع الإيراني. إن قرار الحرب قد اتخذ، لكن آليات تنفيذه وضمان نتائجه لا تزال محل شك كبير داخل أروقة الحكم. ويبقى السؤال المعلق هو مدى قدرة ترامب على كسر 'الإحباط الثلاثي' وتحقيق ما عجز عنه أسلافه.
إن الترقب سيد الموقف في المنطقة، حيث تتجه الأنظار نحو التحركات العسكرية الأمريكية القادمة في مياه الخليج. ومع اقتراب المواعيد الرياضية والوطنية الكبرى في الولايات المتحدة، يبدو أن الهامش الزمني للمناورة يضيق أمام البيت الأبيض. فإما نصر حاسم يغير وجه الشرق الأوسط، أو استنزاف ينهي طموحات ترامب السياسية.





شارك برأيك
إحباط ثلاثي يلاحق ترامب: قراءة إسرائيلية في ملامح المواجهة القادمة مع إيران