كشفت تقارير صحفية دولية عن حالة من الجمود تسيطر على ما يُعرف بـ 'مجلس السلام' الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تواجه خطط إعادة إعمار قطاع غزة عقبات تمويلية وسياسية كبرى. وأشارت المصادر إلى أن الدول التي تعهدت سابقاً بتقديم الدعم المالي باتت تظهر تردداً واضحاً في الوفاء بالتزاماتها بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار.
وتشير البيانات المالية المسربة إلى فجوة هائلة بين الوعود والواقع، فمن أصل 7 مليارات دولار تعهدت بها تسع دول، لم يصل فعلياً سوى مبالغ زهيدة لا تتجاوز 1.75 دولار لكل 100 دولار موعودة. وتعد الإمارات العربية المتحدة والمغرب هما الجهتان الوحيدتان اللتان قامتا بتحويل أموال فعلية لدعم العمليات التشغيلية للمجلس، بينما تظل بقية التعهدات حبراً على ورق.
وفي مذكرة قُدمت إلى مجلس الأمن الدولي، اعتبر مجلس السلام أن العقبة الرئيسية أمام تنفيذ رؤيته تتمثل في رفض حركة حماس تسليم أسلحتها والتنازل عن السيطرة الإدارية على القطاع. ومع ذلك، تؤكد مصادر مطلعة أن نقص التمويل يمثل التهديد الحقيقي والوجودي لجهود الإعمار، مما يضع مصداقية المبادرة الأمريكية على المحك أمام المجتمع الدولي.
وتأتي هذه الأزمة المالية في وقت تقدر فيه الأمم المتحدة أن تكلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب في غزة تتجاوز 70 مليار دولار، وهي عملية قد تستغرق عقوداً من الزمن. وبالرغم من تعهد ترامب الشخصي بتقديم 10 مليارات دولار من التمويل الأمريكي، إلا أن هذه الأموال لم تُصرف بعد ولم يتم طلبها رسمياً من قبل مسؤولي المجلس حتى الآن.
وعلى صعيد الإدارة الداخلية، يواجه المجلس انتقادات حادة بسبب الرواتب المرتفعة التي يتقاضاها كبار المسؤولين والتكنوقراط الفلسطينيين المختارين لإدارة القطاع. ويقيم هؤلاء المسؤولون حالياً في مصر بانتظار تصاريح دخول غزة، حيث يتقاضون رواتب شهرية تتراوح بين 16 و17 ألف دولار، في حين يبلغ راتب الممثل السامي نيكولاي ملادينوف نحو 400 ألف دولار سنوياً.
وأفادت مصادر ميدانية بأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التابعة لملادينوف، لم تنجح في إحداث أي تغيير ملموس على حياة السكان داخل القطاع المنكوب. وأكدت المصادر أنه لم تدخل زجاجة مياه واحدة إلى غزة تحت راية هذه اللجنة منذ مطلع العام الجاري، مما يعكس حالة الشلل الوظيفي التي تعاني منها المؤسسات المنبثقة عن خطة ترامب.
وفي القدس، اعترف الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف بأن العالم قد خذل الفلسطينيين في غزة، مشيراً إلى أن الأبواب نحو المستقبل لا تزال مغلقة بإحكام. وحث ملادينوف الدول المانحة على ضرورة صرف الأموال الملتزم بها دون تأخير، معتبراً أن التأخير يحول إطار العمل من نتائج ملموسة إلى مجرد خطط ورقية لا تسمن ولا تغني من جوع.
لا يزال باب مستقبل غزة مغلقاً، هذا ليس ما وُعد به الفلسطينيون، وليس ما يستحقونه.
من جانب آخر، يرى دبلوماسيون أن التصعيد الإقليمي والصراع مع إيران وفر غطاءً سياسياً لبعض الدول لتأخير دفع حصصها المالية في صندوق إعمار غزة. ويبدو أن أصحاب النفوذ المالي بات لديهم ذريعة قوية لتجميد مساهماتهم، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع السياسية والأمنية المعقدة في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.
ورغم نفي مسؤولين بارزين في مجلس السلام وجود تحديات تمويلية ملحة، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى غياب أي خطط عملية لإعادة البناء أو إزالة الأنقاض. ولا تزال قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي تسيطر على أكثر من نصف مساحة القطاع، وتفرض قيوداً مشددة على وصول الشحنات الحيوية من الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية.
ويعيش مئات الآلاف من الناجين في مخيمات مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، حيث ينتشر الجوع وتتفاقم الأزمات الصحية بسبب تدمير البنية التحتية والمستشفيات. وفي ظل هذا الواقع المرير، تبدو رؤية ترامب لتحويل غزة إلى مركز سياحي وتجاري يضم 'مدناً ذكية' بعيدة كل البعد عن الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان يومياً.
وتشير التقارير إلى أن شركات مقاولات كبرى قدمت عروضاً لإزالة الركام وبناء مجمعات سكنية، لكنها لم تتلقَّ أي عقود رسمية أو تكليفات بالبدء في العمل. ويعكس هذا التخبط غياب التنسيق بين الوعود السياسية الكبرى والقدرة التنفيذية على الأرض، في ظل استمرار العمليات العسكرية والقيود الأمنية المشددة التي يفرضها الاحتلال.
ويحذر مراقبون من أن 'أسوأ سيناريو' قد يواجه هيئة السلام هو موافقة الفصائل الفلسطينية على نزع السلاح فجأة، حيث ستجد الهيئة نفسها عاجزة عن تقديم أي دعم فعلي. ويؤكد هؤلاء أن الهيئة غير مستعدة لوجستياً أو مالياً للتعامل مع حجم الدمار الهائل، مما قد يؤدي إلى انهيار كامل في التوقعات الشعبية والدولية تجاه الدور الأمريكي.
وفيما يتعلق بالجانب الأمني، لا تزال القوة الدولية التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار غائبة تماماً عن المشهد، ولا توجد أي بوادر لتشكيلها في المدى المنظور. ويساهم هذا الفراغ الأمني في تعزيز سيطرة قوات الاحتلال على الممرات الحيوية، مما يعيق أي محاولة جادة لإدخال المساعدات الإنسانية أو البدء في عمليات ترميم المرافق الحيوية.
يبقى مستقبل أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة معلقاً بين وعود دولية لم تتحقق وواقع ميداني يتسم بالدمار الشامل والنزوح المستمر. ومع تزايد التقارير الدولية التي تصف ما جرى في غزة بالإبادة الجماعية، تزداد الضغوط على 'مجلس السلام' لإثبات جديته بعيداً عن التصريحات الإعلامية والخطط الطموحة التي تفتقر للتمويل والتنفيذ.





شارك برأيك
تعثر خطة ترامب لإعمار غزة: مانحون مترددون وميزانية خاوية تهدد 'مجلس السلام'