أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 9:54 مساءً - بتوقيت القدس

بين 'بص العصفورة' وذاكرة السنجاب: كيف تُصنع سياسات النسيان العالمي؟

تتداخل رموز القوى المتحاربة في المشهد السياسي العالمي مع طبائع الحيوانات، حيث يبرز الفيل كرمز للحزب الجمهوري الأمريكي بسمات الحقد، مقابل الجمل البختي الإيراني الذي يجسد الصبر. هذا الاستلهام البشري من الطبيعة لم يتوقف عند الصناعات العسكرية والتقنية، بل امتد ليشمل استراتيجيات الحكم والسيطرة على الشعوب.

تشير تقارير استطلاعية حديثة إلى أن أكثر من نصف الأمريكيين يعتقدون أن التحركات العسكرية ضد إيران لم تكن إلا وسيلة للإلهاء، أو ما يعرف شعبياً بحيلة 'بص العصفورة'. تهدف هذه الاستراتيجية إلى صرف الأنظار عن فضائح داخلية كبرى، مثل قضية جيفري إبستين، عبر افتعال أزمات خارجية صاخبة.

حدد المفكر نعوم تشومسكي عشر استراتيجيات للتحكم، تبدأ من الإلهاء وتمر بالتجهيل المتعمد وصولاً إلى خلق المشكلة ثم تقديم الحل الجاهز. هذه الحيل تجد صدى لها في حكايات عالم الحيوان، مثل 'جزرة الحمار' للتسويف، أو 'دموع التماسيح' لاستدرار العاطفة الزائفة.

تعد حيلة 'القرود الوطنية' نموذجاً صارخاً لكيفية تدجين المجتمعات على المنع والتحريم دون معرفة الأسباب الحقيقية. فالمجتمعات قد تستمر في ممارسة الرقابة الذاتية ومنع التغيير لمجرد أنها اعتادت على ذلك، حتى بعد رحيل الجيل الذي شهد مسببات المنع الأصلية.

يعتبر النسيان 'أم الحيل' التي توظفها الأنظمة، تماماً كما ينسى السنجاب أماكن دفن جوزه أو تنسى السمكة خطر السنارة. هذه الظاهرة تجلت في الأعمال السينمائية مثل فيلم 'Blink Twice'، الذي يصور كيف يستخدم الأثراء والطغاة 'إكسير النسيان' للسيطرة على ضحاياهم.

في العالم العربي، تتخذ صناعة النسيان أشكالاً أكثر خشونة تبدأ من تدمير الآثار والعبث بالتاريخ وصولاً إلى المعتقلات التي تمحو ذاكرة نزلائها. هذه الأساليب تهدف إلى تحويل الشعوب إلى رعية تلهث خلف لقمة العيش، فاقدة للقدرة على الربط بين الماضي والحاضر.

أما في الدول المتقدمة، فإن النسيان يُصنع بذكاء ونعومة عبر التدفق الهائل للمعلومات والصور من خلال الهواتف الذكية. هذا الضجيج الرقمي يجعل الأحداث تتلاحق بسرعة تمحو معها أثر الحزن أو الفرح، ويحول القضايا الجوهرية إلى مجرد 'ترند' عابر.

تساهم التكنولوجيا الحديثة في تعزيز 'الحياة الافتراضية' التي تفتقر إلى الذكرى الحقيقية رغم وفرة التصوير الرقمي. فالإنسان المعاصر يصور كل لحظة لكنه يضطر لحذف الصور باستمرار لتوفير المساحة، مما يؤدي في النهاية إلى فقدان الارتباط العاطفي باللحظة.

تظهر التوجهات نحو 'العملات الرقمية' في أوروبا كأداة جديدة لمحو الذاكرة المادية المرتبطة بالنقود الورقية وما تحمله من رموز وطنية. هذه العملات غير المرئية تتيح للأنظمة رقابة كاملة على سلوك الأفراد الاستهلاكي، محولة الطعام إلى مجرد سعرات حرارية مرصودة.

يربط المحللون بين حركات 'التمركز حول الأنثى' وبين استراتيجيات الإلهاء الكبرى التي تهدف لإشعال صراعات جانبية بين الجنسين. هذه الصراعات تستهلك طاقات المجتمعات في قضايا الهوية والنوع، بعيداً عن مواجهة آليات الحكم والتحكم الاقتصادية والسياسية.

النهايات في قصص السيطرة غالباً ما تكون مخيبة، حيث تتحول الضحية أحياناً إلى جزء من المنظومة القمعية بمجرد نجاتها. هذا ما تروج له بعض السينما العالمية تحت شعار 'إذا لم تهزم عدوك فانضم إليه'، وهي دعوة صريحة للانتهازية السياسية.

ترامب، الذي سخر مراراً من ذاكرة خصومه، وقع هو الآخر في فخ الذاكرة عندما استدعى أشباح حرب فيتنام عند الحديث عن إيران. هذا الاستحضار الانتقائي للتاريخ يكشف كيف يوظف القادة الذاكرة أو النسيان لخدمة طموحاتهم السياسية، حتى لو كان الهدف هو البحث عن 'نوبل للسلام'.

إن تحويل البشر إلى كائنات 'سنجابية' أو 'سمكية' هو الغاية القصوى لأنظمة السيطرة الحديثة التي تخشى من قوة التذكر. فالتذكر هو الفعل المقاوم الأول ضد الطغيان، بينما النسيان هو التربة الخصبة التي تنمو فيها الديكتاتوريات الناعمة والخشنة على حد سواء.

ختاماً، يبقى الصراع بين الذاكرة والنسيان هو المحرك الأساسي للتاريخ البشري، حيث تحاول الشعوب استعادة وعيها بينما تطور الأنظمة أدواتها. ومن 'بص العصفورة' إلى 'شراب النسيان'، تظل الحقيقة هي الضحية الأولى في ملاعب السياسة الدولية.

دلالات

شارك برأيك

بين 'بص العصفورة' وذاكرة السنجاب: كيف تُصنع سياسات النسيان العالمي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.