يدخل العرب منافسات كأس العالم 2026 من أوسع أبوابها، حيث تشهد البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك حضوراً قياسياً يتمثل في ثمانية منتخبات. وتتوزع هذه المنتخبات بين قارتي آسيا وأفريقيا، وهي قطر والسعودية والأردن والعراق ومصر والجزائر وتونس والمغرب، في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في خارطة الكرة العربية.
ساهم النظام الجديد للبطولة، الذي رفع عدد المشاركين إلى 48 منتخباً، في منح فرصة أكبر للمنتخبات العربية، لكن هذا الحضور لا يقتصر على زيادة المقاعد فقط. فالمشاريع الكروية العربية شهدت تطوراً ملموساً في السنوات الأخيرة، مدفوعة بالرغبة في محاكاة الإنجاز المغربي التاريخي الذي تحقق في قطر 2022 بالوصول إلى المربع الذهبي.
يبرز المنتخب المغربي كأحد أقوى المرشحين العرب، حيث يدخل البطولة تحت ضغط التوقعات العالية بصفته رابع العالم في النسخة السابقة. ورغم التغيير الفني بتعيين محمد وهبي مدرباً، إلا أن "أسود الأطلس" يمتلكون تشكيلة مدججة بالنجوم العالميين مثل أشرف حكيمي وإبراهيم دياز، ويستهلون مشوارهم بمواجهة نارية أمام البرازيل.
أما المنتخب السعودي، فيسعى لاستعادة روح مونديال 1994 وتجاوز دور المجموعات الذي استعصى عليه في مشاركاته اللاحقة. ويعول "الأخضر" على خبرة مدربه اليوناني جورجوس دونيس وتطور الدوري المحلي، في مجموعة صعبة تضم إسبانيا والأوروغواي، معتمداً على شخصية لاعبيه التي ظهرت بوضوح في الفوز التاريخي على الأرجنتين سابقاً.
المنتخب القطري يدخل هذه النسخة متحرراً من ضغوط الاستضافة التي واجهها في 2022، ومسلحاً بلقبين متتاليين في كأس آسيا. وتحت قيادة الإسباني يولن لوبيتيغي، يطمح "العنابي" لإثبات جدارته العالمية في مجموعة متوازنة تضم كندا وسويسرا والبوسنة، معتمداً على انسجام الثنائي أكرم عفيف والمعز علي.
وفي القارة السمراء، يواجه المنتخب المصري تحدي كسر العقدة التاريخية المتمثلة في غياب الانتصارات المونديالية طوال تاريخه. ويقود "الفراعنة" المدرب حسام حسن بروح قتالية عالية، معتمداً على توهج محمد صلاح وعمر مرموش في الملاعب الأوروبية، ضمن مجموعة تمنحهم فرصة واقعية للمنافسة أمام بلجيكا ونيوزيلندا وإيران.
تعود الجزائر إلى المحفل العالمي بعد غياب طويل، حاملة معها طموحات جيل موهوب يقوده المدرب فلاديمير بيتكوفيتش. ويسعى "محاربو الصحراء" لاستعادة بريقهم الذي ظهر في مونديال 2014، حيث يمتلك الفريق قوة هجومية ضاربة بوجود رياض محرز ومحمد الأمين عمورة، رغم وقوعهم في مجموعة حامل اللقب، الأرجنتين.
لم يعد التأهل إلى الأدوار المتقدمة حكراً نفسياً على منتخبات أوروبا وأميركا الجنوبية بعد وصول المغرب لنصف النهائي.
المنتخب التونسي، صاحب الحضور المنتظم، يبحث عن العبور الأول للدور الثاني في تاريخه بعد سبع مشاركات لم تتجاوز دور المجموعات. ويراهن "نسور قرطاج" على صلابتهم الدفاعية التي ميزتهم في التصفيات، حيث لم تستقبل شباكهم أي هدف، مما يعزز حظوظهم في مواجهة منتخبات قوية مثل هولندا واليابان والسويد.
من أكثر القصص إثارة في هذه النسخة هي عودة المنتخب العراقي بعد غياب دام أربعين عاماً، وتحديداً منذ مشاركته الوحيدة في 1986. وتأتي عودة "أسود الرافدين" عبر الملحق العالمي لتشعل حماس الجماهير العراقية، حيث يسعى الجيل الحالي بقيادة أيمن حسين لكتابة تاريخ جديد ينهي عقوداً من الانتظار المرير.
أما المنتخب الأردني، فيسجل ظهوره الأول في المونديال، وهو ما يمثل ذروة التطور الذي شهده "النشامى" بعد بلوغ نهائي كأس آسيا الأخير. ويدخل الأردن البطولة دون ضغوط تاريخية، معتمداً على مهارات موسى التعمري ويزن النعيمات، في اختبار حقيقي أمام كبار اللعبة في مجموعة تضم الأرجنتين والجزائر والنمسا.
تاريخياً، كانت المشاركات العربية تتسم بـ "شرف المشاركة"، لكن إنجاز المغرب في قطر كسر هذا الحاجز النفسي تماماً. اليوم، تتطلع المنتخبات العربية إلى تحويل الكثافة العددية إلى جودة تنافسية، حيث لم يعد الهدف مجرد التواجد في المحفل العالمي، بل مقارعة القوى التقليدية في أوروبا وأميركا الجنوبية والذهاب بعيداً في الأدوار الإقصائية.
يواجه المدربون العرب والأجانب في هذه المنتخبات تحديات تكتيكية كبرى للتعامل مع النظام الجديد للبطولة وزيادة عدد المباريات. فالاستقرار الفني والعمق في دكة البدلاء سيكونان العاملين الحاسمين في تحديد من سيتمكن من الصمود في رحلة المونديال الطويلة، خاصة مع تقارب المستويات في بعض المجموعات.
تمثل نسخة 2026 اختباراً حقيقياً لمدى تطور الدوريات العربية والاستثمارات الضخمة التي ضخت في قطاع كرة القدم خلال السنوات الأخيرة. فالتواجد في المونديال هو الثمرة النهائية لعمل مؤسساتي طويل الأمد، ونجاح هذه المنتخبات سيعزز من مكانة الكرة العربية كقوة صاعدة لا يمكن الاستهانة بها على الساحة الدولية.
ختاماً، يبقى الشغف الجماهيري العربي هو المحرك الأساسي لهذه المنتخبات في الملاعب الأمريكية والكندية والمكسيكية. وسيكون المونديال المقبل مساحة لتوحيد المشاعر العربية خلف ثمانية سفراء، في تظاهرة رياضية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتصبح رسالة ثقة بقدرة الكفاءات العربية على الإبداع والتميز عالمياً.





شارك برأيك
مونديال 2026: حضور عربي قياسي بثمانية منتخبات وطموحات تتجاوز 'شرف المشاركة'