أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

شعبنا يستحق أن يحيا بسلام وأمن وأمان على أرضه المقدسة


لقد ودّعنا يوم أمس الأول في بلدة عيلبون الجليلية سيادة المطران بطرس المعلم، الذي رحل عن عالمنا عن عمر ناهز الثامنة والتسعين عاماً.
كان شاهداً على النكبة التي حلّت بهذا البلد، وقد اختبر هو وعائلته وأبناء بلدته مرارة المعاناة والآلام والأحزان.
كان شاهداً على النكبة، كما وغيره من أبناء شعبنا الذين عاصروا هذا الظلم التاريخي الذي حلّ بشعبنا عام 1948.
ثمانية وسبعون عاماً مرّت على نكبة عام 1948، ولكننا نلحظ ونرى بأن النكبة ما زالت مستمرة ومتواصلة، فلم تكن حدثاً عابراً في عام 1948، بل إن تداعياتها ما زالت قائمة. وما أكثر الحروب والنكبات والنكسات التي تعرّض لها شعبنا منذ ذلك الحين وحتى هذا اليوم.
الكنيسة في هذه الأرض لم تكن يوماً متفرجة على نكبة عام 1948، بل إنها في ذلك الحين فتحت الأديرة والكنائس، وخاصة في القدس، من أجل إيواء النازحين الذين طُردوا عنوةً من قراهم وبلداتهم. وهذا ما حدث أيضاً في غزة، حيث فتحت الكنائس والأديرة أبوابها للنازحين، في إطار رسالة تؤكد من خلالها الكنيسة في هذه الديار أنها ليست متفرجة على معاناة الإنسان الفلسطيني، بل إنها تقف إلى جانب هذا الشعب المظلوم، وتؤازره، وتنادي بحريته وكرامته وانعتاقه من الاحتلال.
ما حدث في غزة خلال حرب الإبادة لا يقل جسامة وهمجية عمّا حدث عام 1948، فمشاهد النكبة الجديدة في غزة تذكّرنا بنكبة عام 1948، وتذكّرنا بأن هنالك ظلماً تاريخياً تعرّض له هذا الشعب، ويجب أن يزول هذا الظلم لكي ينعم إنسان هذه الديار بالأمن والأمان والسلام.
الكنيسة لا يجوز أن تكون حيادية أو صامتة أو متفرجة أمام ما يعانيه الإنسان الفلسطيني، فهذا هو شعبنا، وهذا هو إنساننا، وقضية هذا الشعب المظلوم هي قضيتنا، كما هي قضية كل إنسان حر ومؤمن بقيم العدالة في عالمنا.
إن استهداف الفلسطينيين في غزة وفي الضفة وفي القدس إنما هو استهداف لكل الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين. فكما يُعتدى على المسلمين في مقدساتهم وأوقافهم، يُعتدى أيضاً على المسيحيين. وقد شاهد الكثيرون ما تعرّضت له القدس قبل يومين خلال مسيرة المستوطنين المتطرفين، الذين بصقوا على الكنائس ورجال الدين، كما وأساؤوا للسيدة العذراء في الحي المسيحي عندما مرّوا بالقرب من رمز ديني له علاقة بالسيدة العذراء في حارة النصارى في القدس القديمة.
إن الذين يبصقون على المسيحيين ورموزهم الدينية، والذين يعتدون عليهم كما حدث مع إحدى الراهبات الفاضلات، هم أنفسهم الذين يعتدون على الفلسطينيين، وهم أنفسهم الذين يعتدون على البلدات والمخيمات والقرى في الضفة الغربية، حيث ينهبون الأراضي ويروعون أهلها، وبعضهم يطلق على نفسه مسمى “فتيان التلال”.
أمام هذه النكبات والنكسات المتلاحقة، والتي لا تتوقف، والتي يتعرّض لها شعبنا الفلسطيني، نتساءل: إلى متى سوف يستمر هذا الظلم؟ وإلى متى سيبقى الفلسطينيون محكوما عليهم  بأن يعيشوا في ظل سياسة الإذلال والتنكيل والاستهداف؟
يتبارى المتنافسون على رئاسة الحكومة الإسرائيلية بعدائهم للفلسطينيين، وبعدم اعترافهم بأنه يحق للفلسطيني أن يعيش في دولة مستقلة، وهم لا يعترفون بأي حقوق للفلسطيني في هذه الديار.
إنهم يتبارون في من هو الأكثر عنصرية، ومن هو الأكثر عداءً للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، دون أن ننكر وجود بعض الأصوات اليهودية التي تؤمن بالسلام وترفض الاحتلال وسياساته وممارساته، ولكن يبدو أن هؤلاء نسبتهم قليلة، وهم عاجزون وغير قادرين على التأثير في ما يتعلق بالسياسات والممارسات الظالمة بحق شعبنا.
إن تباهي أي مسؤول إسرائيلي قائلاً إن فلسطين غير موجودة، لا يعني على الإطلاق أنها ليست موجودة، فهذا يعني فقط أنها ليست موجودة في عقليته العنصرية ، لكنها على الأرض موجودة، شاء أم أبى هؤلاء العنصريون الحاقدون.
إن نكران وجود فلسطين من قبل هذه الطغمة العنصرية لا يعني أنها ليست موجودة، فهي موجودة وباقية، وشعبها موجود وباقٍ، وما تحتاجه هذه الأرض هو إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والأمن والأمان لشعبنا الفلسطيني.
لا نكره اليهود، ولسنا من جماعة معاداة السامية  فنحن لا نكره أحداً بناءً على انتمائه الديني، ولكننا نكره الاحتلال والعنصرية والقمع الممارس بحق شعبنا الفلسطيني.
أن تكون رافضاً للاحتلال وممارساته، فهذا لا يعني أنك معادٍ لليهود أو منتمٍ لتيار معاداة السامية، فهذه ليست من أدبياتنا ولا من أخلاقنا، فنحن نحترم كل إنسان أياً كان دينه أو معتقده، ولكننا نرفض الاستبداد والاحتلال. وبعض المتطرفين في إسرائيل يبررون ممارساتهم بآيات كتابية، بينما الكتاب المقدس بريء من سياساتهم وممارساتهم وأفعالهم.
ندعو إلى تضافر الجهود بين أتباع الديانات التوحيدية الثلاث في الدفاع عن حقوق الإنسان، والمناداة برفع الظلم عن شعبنا، فآن للنكبة أن تتوقف، وأن ينتقل الفلسطينيون إلى حقبة جديدة من تاريخهم ينعمون فيها بالحرية، مثل باقي شعوب العالم.
هذا هو نداؤنا الذي نوجّهه إلى الكنائس المسيحية في العالم: كونوا صوتاً للمظلومين والمتألمين والمعذبين في هذه الديار، فالحيادية مرفوضة، والصمت مرفوض، وصوت الكنيسة يجب أن يكون صادحاً في كل مكان، منادياً بالسلام والعدالة ونصرة المظلومين وضحايا الحروب، لا سيما شعبنا الفلسطيني شعب هذه الأرض المقدسة والمباركة التي تحتضن أهم المقدسات المسيحية.
نرفع دعاءنا في هذه الأيام، وعشية أحد الأعمى، بأن ينير الرب الإله عقول وبصر وبصيرة حكام وجبابرة هذا العالم، فما أكثر العميان في هذا العالم الذين لا يرون الواقع ولا يريدون أن يروا الحقيقة لأنها تزعجهم. نتمنى لأولئك العميان أن يعود إليهم البصر، لكي يروا بأن هنالك شعباً مظلوماً يستحق أن يعيش حياة أفضل في هذه الديار.
يوم الأربعاء القادم نودّع عيد القيامة، ونحن في مدينة القيامة والنور نودّع الموسم الفصحي في هذا العام ، ولكننا في هذه المدينة المقدسة نعيش القيامة بشكل دائم ومستمر، لأننا نرى أمامنا القبر الفارغ في كل حين.
وأمام القبر المقدس نصلي من أجل هذه المدينة المقدسة، ومن أجل هذه الأرض المباركة، لكي تتحقق فيها العدالة المنشودة، ويسود فيها السلام الحقيقي الذي يصون حرية وكرامة الإنسان.

دلالات

شارك برأيك

شعبنا يستحق أن يحيا بسلام وأمن وأمان على أرضه المقدسة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.