أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 4:25 مساءً - بتوقيت القدس

هل جعلتنا التكنولوجيا الرقمية أقل أدبًا؟

ليست التكنولوجيا الرقمية قليلة أدب بذاتها، لكنها أحيانًا تكشف قلة الأدب الكامنة فينا، وتمنحها سرعة وانتشارًا وجمهورًا وتصفيقًا. فالهاتف لا يشتم من تلقاء نفسه، والمنصة لا تسخر وحدها، والخوارزمية لا تخترع الوقاحة من العدم، لكنها تعرف كيف تلتقطها وتضخمها وتضعها أمام الناس في أفضل توقيت ممكن، لأنها ببساطة تدرك أن الانفعال يجلب التفاعل، وأن الغضب يرفع المشاهدات، وأن التجاوز يجذب التعليقات أكثر من الاتزان.

في الماضي كان الإنسان يحتاج إلى مجلس أو منبر أو صحيفة أو لقاء مباشر كي يقول رأيه، وكان وجود الناس أمامه يفرض عليه شيئًا من الحياء الاجتماعي. كان يرى العيون، ويسمع نبرة الاعتراض، ويشعر بثقل الكلمة قبل خروجها. أما اليوم فقد صار بالإمكان أن يهين شخصًا لا يعرفه، وأن يسخر من وجع لا يفهمه، وأن يصدر حكمًا قاسيًا على حياة كاملة من وراء شاشة مضيئة وهو مستلقٍ على أريكته. هنا لا تكون المشكلة في الشاشة فقط، بل في المسافة الباردة التي صنعتها بين الفعل ونتيجته، بين الكلمة وأثرها، بين الإنسان والإنسان.

التكنولوجيا الرقمية أعادت تشكيل منظومة الذوق العام. لم يعد الذوق مرتبطًا فقط بطريقة السلام، أو احترام الكبير، أو اختيار الكلمات في المجالس، أو مراعاة المقام الاجتماعي، بل صار مرتبطًا بطريقة التعليق، وإعادة النشر، والتقاط الصورة، وتسجيل الفيديو، ونشر الخصوصيات، والتعامل مع مصائب الناس كمادة محتوى. صار الإنسان يحتاج إلى أخلاق رقمية كما يحتاج إلى أخلاق اجتماعية، لأن ما يفعله على المنصات لم يعد فعلًا عابرًا، بل قد يتحول إلى أرشيف دائم، ووصمة طويلة، وأذى لا ينتهي بمجرد إغلاق التطبيق.

منظومة الذوق العام في المجتمع لا تتشكل بالقوانين وحدها، بل بالتربية، والبيت، والمدرسة، والشارع، والمسجد، والجامعة، والإعلام، والخطاب السياسي، وطريقة الناس في الاختلاف. وعندما تدخل التكنولوجيا الرقمية إلى مجتمع لم يحسم بعد علاقته بالمسؤولية، يصبح العالم الرقمي امتدادًا مرتبكًا لهذا الواقع. فالمنصات لا تصنع الفراغ الأخلاقي من الصفر، لكنها توسّعه، وتمنحه أدوات جديدة، وتجعله أكثر وضوحًا. وما كان يقال همسًا في جلسة صغيرة، صار يكتب علنًا أمام الآلاف، وما كان ينتهي بانتهاء المجلس، صار يبقى محفوظًا وقابلًا للتداول في كل وقت.

الوقاحة الرقمية تظهر حين يظن البعض أن حرية التعبير تعني حرية التجريح، وأن الجرأة تعني كسر الكرامة، وأن النقد يعني الإهانة، وأن خفة الدم تبرر السخرية من الناس. وهذا الخلط لم يأتِ من فراغ، بل من بيئة رقمية تكافئ الصدمة أكثر مما تكافئ الحكمة. فالمنشور الهادئ قد يمر بصمت، أما العبارة المستفزة فتتحول إلى نقاش، والنقاش إلى معركة، والمعركة إلى وصول أعلى. وهكذا يتعلم كثيرون، دون أن يشعروا، أن قلة الأدب قد تكون استراتيجية انتشار، وأن التعدي على الذوق العام قد يكون طريقًا سريعًا نحو الشهرة.

الأخطر أن التكنولوجيا الرقمية لم تكتفِ بتغيير أسلوب الكلام، بل غيرت إحساسنا بالحدود. صار البعض يصور الغرباء في الشارع دون إذن، يعلق على أجساد الناس وملابسهم وأصواتهم وحياتهم الخاصة، يدخل في حزنهم وفرحهم وخلافاتهم كأنه يملك حق التفتيش العام. تحولت الخصوصية إلى مادة قابلة للاستهلاك، وتحولت حياة الآخرين إلى محتوى، وتحول الألم إلى فرصة لزيادة المتابعين. هنا تصبح التكنولوجيا قليلة أدب حين تفقدنا الإحساس بأن خلف كل صورة إنسانًا، وخلف كل قصة عائلة، وخلف كل خطأ حياة لا يجوز تمزيقها من أجل مشاهدات.

وهنا تظهر أزمة التربية الرقمية بوضوح. فقد تعلّم كثيرون كيف يستخدمون الهاتف قبل أن يتعلموا كيف يحترمون أثر الكلمة، وتعلموا كيف يفتحون حسابًا قبل أن يتعلموا معنى المسؤولية العامة، وتعلموا كيف يصورون وينشرون قبل أن يتعلموا أن للناس خصوصيات وكرامات وحدودًا. التربية اليوم لم تعد قادرة على الاكتفاء بعبارات عامة عن الاحترام والأدب، بل تحتاج إلى أن تدخل إلى تفاصيل الحياة الرقمية: كيف نختلف، كيف نعلّق، كيف نرفض، كيف ننتقد، كيف نحمي خصوصية الآخرين، وكيف نمنع أنفسنا من المشاركة في التشهير ولو كان المحتوى منتشرًا ومغريًا.

الأخلاق في العالم الرقمي ليست ترفًا ولا موعظة تقليدية، بل شرط من شروط سلامة المجتمع. فحين تتحول المنصات إلى ساحات للسخرية والتشهير والاتهام والتخوين، يبدأ النسيج الاجتماعي بالتآكل. الأسرة تتأثر، والعلاقات تتوتر، والثقة بين الناس تضعف، واللغة العامة تصبح أكثر عدوانية. ومع الوقت لا يعود الضرر محصورًا في منشور أو تعليق، بل يتحول إلى ثقافة كاملة ترى في الإهانة شجاعة، وفي الستر ضعفًا، وفي الهدوء تراجعًا، وفي الاحترام قلة تأثير.

هذا التأثير السلبي على النسيج الاجتماعي من أخطر ما حملته التكنولوجيا الرقمية حين تُستخدم بلا وعي. فالمجتمع لا يعيش فقط بالخبز والعمل والقانون، بل يعيش أيضًا بالثقة، والرحمة، وحسن الظن، والقدرة على الاختلاف دون قطيعة. وعندما تتحول المنصات إلى مصانع يومية للغضب، تصبح العلاقات أكثر هشاشة، ويصبح سوء الفهم أسرع من التفاهم، وتصبح الإشاعة أقوى من الحقيقة، ويصبح الحكم على الناس أسهل من محاولة فهمهم. وهكذا تنتقل عدوى القسوة من الشاشة إلى البيت، ومن التعليق إلى المجلس، ومن المنشور إلى علاقة الجار بجاره، والصديق بصديقه، والمواطن بمؤسساته.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن التكنولوجيا الرقمية ليست ساحة للانحطاط فقط. فهي أيضًا منحت أصواتًا كثيرة فرصة للظهور، وفضحت انتهاكات، وساعدت الناس على التعلم، وفتحت أبواب الرزق، وقرّبت المسافات، وخلقت مساحات للتضامن والمعرفة. المشكلة ليست في وجود التكنولوجيا، بل في غياب التربية الرقمية التي تجعل الإنسان يعرف متى يتكلم، وكيف يختلف، ومتى يصمت، ومتى لا ينشر، ومتى يكون الامتناع عن المشاركة موقفًا أخلاقيًا لا ضعفًا.

نحن اليوم أمام أزمة ذوق رقمي أكثر من كوننا أمام أزمة أدوات. كثيرون تعلموا استخدام المنصات قبل أن يتعلموا أدب استخدامها. تعلموا كيف يصممون منشورًا، وكيف يصورون فيديو، وكيف يجذبون الانتباه، لكنهم لم يتعلموا أن الانتباه ليس قيمة بحد ذاته. ليس كل ما يجذب الناس نافعًا، وليس كل ما ينتشر محترمًا، وليس كل ما يحقق تفاعلًا يستحق أن يقال. في العالم الرقمي، قد يتحول الإنسان إلى نسخة أسرع من نفسه، فإن كان متزنًا زاد اتزانه أثرًا، وإن كان وقحًا منحه الإنترنت مكبر صوت.

ولا يمكن فصل هذه المسألة عن السياسة. فالفضاء الرقمي لم يعد مكانًا بريئًا لتبادل الآراء، بل صار ساحة صراع على الوعي، وتوجيه المزاج العام، وإعادة تشكيل الأولويات. في السياسة تحديدًا، لا تظهر قلة الأدب الرقمية فقط في الشتائم، بل في التخوين، والتحريض، ونزع الإنسانية عن الخصم، واستخدام الجيوش الإلكترونية، وتضخيم الانقسام، وتحويل الخلاف العام إلى كراهية شخصية. وعندما تدخل الخوارزميات على هذا الخط، فإنها لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن التفاعل، فتدفع بالمحتوى الأكثر استفزازًا إلى الواجهة، وتترك الخطاب الهادئ في الهامش.

السياسة حين تفقد أخلاقها الرقمية تتحول إلى سوق للغضب. يصبح المواطن محاصرًا بين خطاب متشنج، ومقاطع مجتزأة، واتهامات جاهزة، وتعليقات لا تريد النقاش بقدر ما تريد الإلغاء. وهذا يضعف المجال العام، لأن المجتمعات لا تبني وعيها بالخوف والشتائم والمزايدات، بل بالحوار، والمعلومة، واحترام الاختلاف، والقدرة على محاسبة السلطة دون تدمير المجتمع، والقدرة على نقد الناس دون سحق كرامتهم. ولذلك فإن حماية الذوق العام في الفضاء الرقمي ليست مسألة شكلية، بل مسألة سياسية واجتماعية وأخلاقية في آن واحد.

قلة الأدب الرقمية لا تظهر فقط في الشتائم، بل في المقاطعة المستمرة، وفي التعليقات المتعالية، وفي نشر الأخبار قبل التحقق، وفي تحويل كل قضية إلى استعراض شخصي، وفي سرقة جهد الآخرين، وفي اقتطاع الكلام من سياقه، وفي الدخول إلى الخاص دون إذن، وفي الردود التي لا تريد الفهم بل تريد الانتصار. هذه كلها أشكال جديدة من سوء الأدب، لكنها ترتدي ملابس حديثة، وتستخدم لغة عصرية، وتختبئ أحيانًا خلف شعارات مثل الحرية والشفافية والنقد والمصلحة العامة.

في السياق العربي والفلسطيني تحديدًا، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن المنصات ليست مجرد فضاء ترفيهي، بل مساحة للرأي العام، والتضامن، والاحتجاج، والتعبير عن الألم، وتوثيق الانتهاكات، والدفاع عن الرواية. لذلك فإن قلة الأدب الرقمية هنا لا تؤذي الأفراد فقط، بل قد تضعف القضايا، وتشوه النقاش، وتستهلك الغضب في معارك جانبية، وتحول القضايا الكبرى إلى مزايدات صغيرة. حين نفقد أخلاقنا في التعبير، نخسر جزءًا من قوة رسالتنا، وحين يتحول الدفاع عن الحق إلى فوضى لفظية، يصبح الحق نفسه أقل قدرة على الوصول بكرامة ووضوح.

في مجتمع يعيش أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، يصبح الحفاظ على النسيج الاجتماعي ضرورة لا رفاهية. والمنصات الرقمية قد تكون وسيلة لحماية هذا النسيج حين تستخدم في التوعية، والتضامن، وكشف الحقيقة، ومساندة الضعفاء، لكنها قد تكون أيضًا أداة لتمزيقه حين تتحول إلى مكان للتشهير، والتحريض، والشماتة، ونشر الإشاعات، وتصفية الحسابات. لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا تتيح لنا التكنولوجيا؟ بل يجب أن نسأل: ماذا تفعل التكنولوجيا بأخلاقنا وذوقنا وعلاقاتنا إذا استخدمناها بلا ضوابط؟

التكنولوجيا الرقمية ليست قليلة أدب، لكنها لا تربي أحدًا. هي تكشف، تضخم، وتكافئ ما نمنحها إياه. فإن دخلنا إليها بلا وعي، جعلتنا أكثر انفعالًا وتسرعًا وقسوة. وإن دخلنا إليها بأخلاق ومعرفة ومسؤولية، جعلتنا أكثر تأثيرًا ونفعًا وحضورًا. الأدب الرقمي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة اجتماعية ومهنية وإنسانية وسياسية. فكما نعلم أبناءنا كيف يتحدثون مع الناس في الشارع والمدرسة والبيت، علينا أن نعلمهم كيف يكتبون تعليقًا، وكيف يختلفون باحترام، وكيف يحمون خصوصيتهم وخصوصية غيرهم، وكيف يدركون أن الشاشة لا تلغي الأخلاق.

الخلاصة أن التكنولوجيا الرقمية ليست قليلة أدب، لكنها امتحان يومي لأدبنا، ومرآة قاسية لمنظومة الذوق العام فينا. ومن يفشل في هذا الامتحان لا تفضحه المنصة فقط، بل تحفظ فشله، وتعيد توزيعه، وتجعله قابلًا للمشاهدة في كل وقت. لذلك ربما لم تعد المسألة: هل التكنولوجيا قليلة أدب؟ بل السؤال الأدق: هل نحن ما زلنا نملك من التربية والأخلاق والذوق العام ما يكفي لاستخدامها دون أن نؤذي أنفسنا ومجتمعنا؟

* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

دلالات

شارك برأيك

هل جعلتنا التكنولوجيا الرقمية أقل أدبًا؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.