تعود فكرة 'بلاد الحد الأدنى' لتطفو على السطح مجدداً، وهي الفكرة التي صاغها الكاتب في رواية سبقت سقوط نظام بن علي، لتصف سمة بارزة في الشخصية التونسية تتمثل في الرضا بأقل العوائد الممكنة بغض النظر عن الجهد المبذول. ورغم أن الثورة بثت روحاً خلاقة مؤقتة، إلا أن الواقع الراهن يشير إلى ارتكاس حاد نحو السبات القديم، حيث بات الطموح الجماعي مسقوفاً بحدود ضيقة لا تتجاوز المصلحة الذاتية.
يرى مراقبون أن الشخصية التونسية تعاني من انفصام بين النجاح الفردي الباهر في مجالات المال والأعمال، وبين العجز عن صياغة فعل جماعي ذي سقف عالٍ. هذا الخلل البنيوي كان سبباً فعالاً في تعثر التجربة الديمقراطية، التي انطلقت كفعل جماعي استثنائي لكنها سرعان ما تفتتت إلى طموحات فردية ونزاعات زعامية خالية من القواعد الشعبية الصلبة.
لقد تحولت مطالب الحرية والبناء السياسي إلى صراعات بين النخب على المواقع والمنافع المتاحة، دون محاولة حقيقية لتطوير النظام أو طرح بدائل تخدم المجموع. وأدى هذا التناحر إلى تشتت الناس وعودتهم إلى مربعاتهم الخاصة، مبررين نكوصهم بأن الفاعلين السياسيين لا يسعون إلا لمصالحهم الشخصية، مما أضعف الإيمان بأي مشروع وطني طويل الأمد.
إن العودة إلى الشخصية الراضية بالقليل والرافضة للجهد الجماعي تفسر حالة اللامبالاة تجاه التراجعات الديمقراطية الأخيرة. فما دام الفرد قادراً على تدبير منفعة خاصة، تصبح الحرية الجماعية في نظره قيمة غير منتجة، ويصبح التعايش مع الأنظمة التسلطية ممكناً طالما أنها تضمن الحد الأدنى من المعيشة ولا تمس المكاسب الشخصية.
تضرب جذور هذه الفردانية في حقبة بورقيبة وما عُرف بمشروع 'فرحة الحياة'، الذي حصر طموح المواطن في البيت والسيارة والأسرة الصغيرة بمعزل عن أي همّ مشترك. أنتج هذا النموذج مجتمعاً مجتمعاً في الظاهر ومنفصلاً في الباطن، حيث يرى الفرد في جاره تهديداً محتملاً، مما يدفعه لبناء جدران عالية حول مكتسباته الخاصة بعيداً عن الشأن العام.
في هذا السياق، تسللت الوعود الفردية إلى صلب الحراك الديمقراطي، حيث نال من وعد بمكاسب فئوية تأييداً أوسع ممن طرح مشاريع تنموية شاملة. وباتت السياسة اليومية تتمحور حول زيادات الأجور وتسهيلات الملكية، بينما وُصف من يفكر في التنمية الجماعية بـ 'الدروشة السياسية' لعدم ملامسته للغرائز النفعية المباشرة.
ويوجه التحليل نقداً لاذعاً لليسار الذي سيطر على النقابات، متهماً إياه بتحويل زخم الثورة إلى نضالات قطاعية ضيقة مكنت فئات قليلة من تحقيق مكاسب على حساب المشروع الوطني. لقد ساهمت هذه المطلبية في كسر وحدة الهدف الجماعي، واستبدلت الفكر الشامل بوعود نفعية جعلت من النقابات أداة لتعزيز الفردانية بدلاً من البناء القومي.
إن رشوة شرطي فاسد لاجتناب أذاه أقرب عند التونسي من الاحتجاج عليه، فإذا سألت قيل لك لا أثق في أحد أو لا آمل في الآخرين.
لا يبحث هذا النقد عن 'مواطن شهيد' أو مثالية خيالية، بل يرصد غياب الهم الجماعي الذي يقود الشعوب نحو التغيير الحقيقي. فالحالة التونسية تكشف عن قبول ضمني بالتسلط ما دام لا يمس الفرد مباشرة، مع الاكتفاء بتضامن لفظي غير مكلف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو تضامن لا يغير من واقع الاستبداد شيئاً.
تتجلى هذه السلوكيات في تفضيل الحلول الفردية الملتوية على المواجهة الجماعية المنظمة، مثل اللجوء لرشوة موظف فاسد بدلاً من الاحتجاج على المنظومة. إن انعدام الثقة في الآخرين يجعل من التزلف للمسؤولين طريقاً أسرع للترقية من التمسك بالقواعد الإدارية، مما يفتح الباب لتنافس غير شريف يقوض أسس الدولة والمجتمع.
يبدو أن التدرب على دفع الأثمان من أجل أفكار جامعة ليس من الهوايات المفضلة في السياق الراهن، مما يرجح استبعاد الشاغل الديمقراطي من الأجندة الشعبية القريبة. فالقبول بالحلول السياسية الحالية يعتمد بالأساس على تقدير المصلحة الفردية المادية، بعيداً عن أي اعتبارات تتعلق بالحريات العامة أو شروط الديمقراطية المؤطرة للفعل الجماعي.
لا تقتصر هذه الحالة على تونس وحدها، بل تمتد لتشمل الحالة العربية العامة التي صاغتها أنظمة حكم حولت الشعوب من مواطنين إلى رعايا. إن التربية السياسية التي رسختها هذه الأنظمة جعلت من الفرد العربي كائناً يبحث عن خلاصه الشخصي فقط، متجاهلاً القضايا الكبرى التي تمس وجوده وهويته.
يظهر هذا النكوص بوضوح في الموقف من القضايا القومية الكبرى، حيث يفضل الفرد العربي إخفاء رأسه لتجنب رؤية المآسي الإنسانية كما يحدث في غزة. هذا الهروب من الواقع يعكس عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية، حيث يتساءل الفرد باستنكار عن جدوى الحرية في ظل سعيه الدؤوب خلف لقمة العيش والمكاسب الصغيرة.
إن مشروع 'فرحة الحياة' البورقيبي، رغم قدمه، لا يزال يمثل البرمجية الأساسية التي تحرك السلوك السياسي والاجتماعي لكثيرين. التوقف عند هذا النموذج يفسر لماذا تفشل الثورات في التحول إلى بناء مؤسسي مستدام، ولماذا تظل الشعوب رهينة لوعود الاستقرار الزائف على حساب الكرامة والحرية الجماعية.
في الختام، يظل التحدي الأكبر هو كيفية استعادة الروح الجماعية وتجاوز سقف 'الحد الأدنى' الذي كبل الطموحات العربية لعقود. وبدون تغيير جذري في هذه البنية النفسية والاجتماعية، ستبقى الديمقراطية مجرد شعار جميل يسهل التخلي عنه عند أول اختبار للمصالح الفردية الضيقة.





شارك برأيك
معضلة 'الحد الأدنى': كيف أجهضت النزعة الفردية أحلام التغيير الجماعي؟