في الأسابيع الأخيرة، تتزايد في إسرائيل التقارير والتقديرات الاستخبارية التي تتحدث عن “تعاظم عسكري متجدد” لحركة حماس في قطاع غزة. الرسالة واضحة: حماس تعيد بناء قوتها، وتنظم صفوفها من جديد، وتجمع السلاح، وتستعد للمواجهة المقبلة. ويُترك لدى الرأي العام الإسرائيلي انطباع بأن عملية عسكرية جديدة فقط هي القادرة على منع “عودة التهديد”.
لكن خلف هذه الحملة تختبئ حقيقة أكثر تعقيداً بكثير — وربما أيضاً محاولة مقصودة لتهيئة الرأي العام الإسرائيلي والدولي لتجديد الحرب.
فالواقع في غزة اليوم بعيد جداً عن صورة تنظيم قوي ومزدهر. غزة مدمرة، والسكان منهكون، والمنظومة المدنية شبه منهارة بالكامل. وحتى داخل حماس نفسها توجد أزمة عميقة. ووفقاً للعديد من المصادر داخل غزة، تعاني الحركة من أزمة مالية خانقة للغاية. فهي غير قادرة بشكل منتظم على دفع الرواتب، لا لمقاتليها ولا لموظفي الجهاز المدني التابع لها. كما أن الجمهور في غزة مرهق من الحرب، وكثيرون يعارضون استمرار حكم حماس بصيغته الحالية.
ومع ذلك، ما زالت حماس هي الجهة المسيطرة في المناطق التي توجد فيها الكثافة السكانية الفلسطينية. لماذا؟ ليس لأنها تحظى اليوم بشرعية شعبية واسعة، بل لأن إسرائيل ترفض السماح بدخول اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية (NCAG) التي كان من المفترض أن تتولى الإدارة المدنية للقطاع.
خمسة أشهر مرت منذ انتهاء الحرب، وما زال لم يُسمح لهذه اللجنة بالدخول إلى غزة والبدء بعملها. وفي غياب بديل حكومي متفق عليه وفاعل، يستمر الفراغ القائم في إبقاء حماس القوة المنظمة الوحيدة على الأرض.
ومن المهم أن نفهم: وفقاً للرسائل القادمة من داخل غزة، فإن حماس مستعدة لنقل السيطرة المدنية الكاملة فوراً إلى اللجنة التكنوقراطية، بما يشمل الشرطة، والأمن الداخلي، وإدارة الوزارات الحكومية. ولم تعد القضية مجرد سؤال: “من سيحكم غزة؟”، بل أصبحت: هل إسرائيل والأمريكيون مستعدون فعلاً للسماح بخلق واقع جديد في القطاع؟
وهنا تحديداً يكمن المأزق الحالي.
فالمفاوضات بين الولايات المتحدة وحماس متعثرة حول قضية نزع السلاح. والموقف الأمريكي — الذي يتبنى عملياً المطلب الإسرائيلي — يتمثل في أن على حماس أن تلتزم مسبقاً وبشكل قاطع بالتفكيك الكامل لسلاحها، قبل تنفيذ بقية الالتزامات: إدخال مساعدات إنسانية واسعة، ومعدات طبية، ومساكن مؤقتة، وآليات ثقيلة لإزالة الركام، والسماح بدخول اللجنة التكنوقراطية، وإنشاء قوة شرطة فلسطينية جديدة، إضافة إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وفق التفاهمات المطروحة.
أما حماس، فتقول إنها مستعدة لعملية تدريجية لنزع السلاح بالتوازي مع تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية والدولية، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي المرحلي من غزة. ومن وجهة نظرها، فإن المسألة تتعلق أساساً بالثقة: لماذا تتخلى مسبقاً عن ورقة القوة الأساسية التي تمتلكها، بينما لا توجد أي ضمانة بأن الطرف الآخر سيفي بالتزاماته؟
وبدلاً من معالجة أزمة الثقة الحقيقية، اختارت الولايات المتحدة ممارسة مزيد من الضغط على حماس، والتحذير من أنها لن تتمكن من منع إسرائيل من استئناف الحرب إذا لم يتم التوصل إلى موافقة مسبقة وكاملة على نزع السلاح.
حتى مسألة الوساطة نفسها أصبحت جزءاً من المشكلة. ففي نظر كثيرين داخل حماس، يُنظر إلى ممثل مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، ليس كوسيط محايد، بل كشخص تبنى فعلياً المواقف الإسرائيلية. وهذا يزيد من تعميق انعدام الثقة ويجعل الوصول إلى تفاهمات أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، هناك تطور مهم داخل غزة نفسها لم يحظَ باهتمام يُذكر. فقد أجرت حماس انتخابات داخلية، ويُنظر إلى القيادة الجديدة داخل القطاع على أنها أكثر واقعية وبراغماتية من القيادة الموجودة في الخارج. فالقادة داخل غزة يعيشون بأنفسهم الدمار والجوع والمعاناة اليومية للسكان، ويدركون أكثر من أي طرف آخر أن استمرار الحرب قد يقود إلى كارثة شاملة.
إن السؤال المركزي الآن ليس ما إذا كانت حماس “تعيد بناء قوتها”، بل ما إذا كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لمنع تجدد الحرب، وإنشاء آلية موثوقة للانتقال السياسي، وإعادة الإعمار، ونزع السلاح التدريجي.
فالمشكلة الحقيقية اليوم ليست فقط قضية السلاح، بل الغياب الكامل للثقة. حماس لا تثق بأن إسرائيل ستنفذ التزاماتها بعد أن تتخلى الحركة مسبقاً عن سلاحها. وإسرائيل والولايات المتحدة لا تثقان بأن حماس ستوافق في نهاية المطاف على التفكيك الكامل لقدراتها العسكرية. وفي هذا الفراغ، ينتظر كل طرف أن يبادر الطرف الآخر أولاً — فيما تبقى الحرب قاب قوسين أو أدنى من العودة.
لذلك، هناك حاجة إلى آلية جديدة لكسر هذا الجمود.
وقد يكون أحد الحلول الممكنة هو إنشاء لجنة دولية صغيرة تضم شخصيات ذات خبرة عالمية في حل النزاعات، ونزع سلاح التنظيمات المسلحة، وإدارة المراحل الانتقالية السياسية. شخصيات لا تمثل حكومات حالياً، لكنها تتمتع بمصداقية دولية وقدرة مهنية على الإشراف والوساطة وتقديم الضمانات للطرفين.
مثل هذه اللجنة يمكن أن:• تشرف على تنفيذ الالتزامات المتبادلة؛• تضع آلية تدريجية وموثوقة لنزع السلاح؛• تضمن بالتوازي إدخال المساعدات وبدء إعادة الإعمار؛• توفر ضمانات دولية لانسحاب إسرائيلي تدريجي؛• وتمنع انهيار الاتفاقات من جديد.
لقد نجحت نماذج مشابهة في أماكن أخرى من العالم — بما في ذلك أيرلندا الشمالية — حيث لم تنجح عمليات نزع السلاح إلا عندما وُجدت آلية دولية موثوقة منحت الطرفين الثقة بأن الالتزامات سيتم احترامها فعلاً.
ومن دون آلية موثوقة للضمانات والإشراف، سيستمر انعدام الثقة في فرض نفسه على الواقع، وستصبح الطريق إلى تجديد الحرب قصيرة جداً.
على العالم أن يفهم: غزة لا تحتاج إلى حرب أخرى. إنها تحتاج إلى مسار سياسي موثوق يوفّر الأمن للإسرائيليين والمستقبل للفلسطينيين.





شارك برأيك
هل تعيد حماس بالفعل بناء قوتها — أم يجري التمهيد لتجديد الحرب؟