أقلام وأراء

الخميس 14 مايو 2026 4:40 مساءً - بتوقيت القدس

قراءة في خطاب الرئيس الفلسطيني أمام المؤتمر الثامن لحركة فتح

في خطابه أمام المؤتمر العام الثامن لحركة  فتح، لم يكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس  يتحدث فقط إلى كوادر الحركة المجتمعين في رام الله، بل بدا وكأنه يخاطب عالماً كاملاً يراقب المشهد الفلسطيني بعد الحرب على غزة: واشنطن، العواصم العربية، الأوروبيين، إسرائيل، وحتى الفلسطينيين أنفسهم الذين خرجوا من الحرب بوعي سياسي مختلف، وربما أكثر قسوة تجاه كل ما سبقها.

وربما لم يكن المؤتمر الثامن لحركة فتح موجهاً إلى الداخل الفلسطيني بالقدر الذي بدا فيه موجهاً إلى الخارج. فمنذ اللحظة الأولى، ظهر خطاب  الرئيس الفلسطيني  وكأنه رسالة سياسية متعددة العناوين أكثر منه خطاباً تنظيمياً لحركة تعقد مؤتمرها بعد عقد كامل من الغياب. لم يكن الهم الأساسي استنهاض القاعدة الفتحاوية أو إجراء مراجعة عميقة لمسار الحركة والسلطة، بقدر ما كان محاولة لإعادة تقديم السلطة الفلسطينية كلاعب لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد الحرب على غزة.

ولهذا حضرت بكثافة مفردات مثل "الشرعية"، و"الإصلاح"، و"السلاح الواحد"، و"حل الدولتين"، و"الانتخابات"، في خطاب بدا وكأنه يخاطب واشنطن والعواصم العربية والأوروبيين أكثر مما يخاطب الفلسطينيين أنفسهم. حتى نبرة  الرئيس الفلسطيني  بدت أقرب إلى لغة رئيس يسعى لإقناع العالم بقدرته على إدارة المرحلة المقبلة، لا إلى قائد حركة تحرر يخاطب شعباً خرج من واحدة من أكثر الحروب دموية وتحولاً في تاريخه المعاصر.

كان واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الخطاب لا ينتمي إلى لغة التعبئة الثورية التقليدية التي عرفت بها فتح في مراحلها الأولى، بل إلى لغة الدولة والسلطة والنظام السياسي. مفردات مثل "القانون"، و"إعادة الإعمار"، و"السلاح الشرعي الواحد" حضرت بكثافة، وكأن الرئيس الفلسطيني يحاول إعادة تثبيت صورة السلطة الفلسطينية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على الإمساك بالمشهد الفلسطيني بعد الزلزال الذي ضرب غزة.

في ظاهر الخطاب، كان هناك تركيز على حجم الكارثة الإنسانية: مئات آلاف الضحايا والجرحى، دمار شامل، أحياء أزيلت بالكامل، وعائلات مُسحت من السجل المدني. استخدم  الرئيس الفلسطيني  لغة قاسية وهو يتحدث عن "الإبادة" وعن مشروع تهجير الفلسطينيين، في محاولة لإعادة تثبيت الرواية الفلسطينية أمام العالم. لكن ما كان أكثر أهمية من توصيف المأساة هو البناء السياسي الذي حاول استخلاصه منها.

فالرسالة المركزية في الخطاب كانت واضحة: لا مستقبل لأي صيغة فلسطينية خارج إطار السلطة ومنظمة التحرير. ولهذا كرر  الرئيس الفلسطيني  ثلاثيته الحاسمة: "النظام الواحد، القانون الواحد، السلاح الشرعي الواحد". لم تكن هذه مجرد عبارات إدارية أو شعارات تنظيمية، بل إعلاناً سياسياً مباشراً ضد واقع تعدد مراكز القوة الفلسطينية، وبالتحديد ضد نموذج حماس في غزة.

كان الرجل يتحدث بعقلية "اليوم التالي للحرب". فبينما لا تزال غزة تحت النار، تبدو المعركة السياسية الحقيقية قد بدأت بالفعل: من سيحكم غزة؟ ومن سيمثل الفلسطينيين؟ ومن سيمتلك الشرعية أمام المجتمع الدولي؟ في هذا السياق، بدا خطاب  الرئيس الفلسطيني  محاولة واضحة لتقديم السلطة الفلسطينية باعتبارها الطرف الوحيد القادر على إدارة القطاع مستقبلاً، ليس فقط لأنها "الشرعية الفلسطينية"، بل لأنها أيضاً الطرف المقبول عربياً ودولياً.

غير أن أكثر لحظات الخطاب حساسية جاءت عندما تحدث  الرئيس الفلسطيني  عن السابع من أكتوبر. قال إن العملية كانت "مجيدة"، لكنه أضاف سريعاً أن "الأمور تقاس بخواتيمها"، معتبراً أن الفلسطينيين "ذُبحوا وهُجروا ودمرت بلادهم بسبب هذا العمل". هذه الصيغة المختلطة كشفت عمق الأزمة التي تعيشها القيادة الفلسطينية الرسمية. فهو لا يستطيع إدانة العملية بشكل مباشر لأن المزاج الشعبي الفلسطيني ما زال يرى فيها لحظة اختراق تاريخية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تبنيها لأنها نسفت بالكامل المنطق السياسي الذي قامت عليه السلطة منذ اتفاق اوسلو.

ولهذا بدا  الرئيس الفلسطيني  وكأنه يحاول السير فوق حقل ألغام سياسي: الاعتراف بالمزاج الشعبي دون الانحياز الكامل له، وإدانة النتائج دون مهاجمة الفعل نفسه بصورة صريحة. لكن هذا التوازن الهش يعكس في الحقيقة المأزق الأعمق الذي تعيشه فتح والسلطة معاً: كيف يمكن الاستمرار في خطاب التسوية بعد حرب أعادت تشكيل الوعي الفلسطيني على هذا النحو؟

وربما لهذا السبب كانت أكثر الجمل دلالة في الخطاب هي تلك التي تحدث فيها  الرئيس الفلسطيني  عن أوسلو. قالها بنبرة ساخرة ومريرة في آن واحد: "أوسلو الخياني بدنا إياه". لم تكن مجرد نكتة سياسية عابرة، بل اعترافاً ضمنياً بأن الاتفاق الذي تأسست عليه السلطة أصبح في الوعي الفلسطيني مرادفاً للفشل السياسي والانسداد التاريخي. ومع ذلك، يصر  الرئيس الفلسطيني  على التمسك به لأنه لا يرى بديلاً عملياً آخر.

هنا تحديداً يظهر التناقض البنيوي في الخطاب كله. فمن جهة، يتحدث  الرئيس الفلسطيني  عن إبادة واستيطان وتطهير وتهجير ومجازر غير مسبوقة، لكنه من جهة أخرى يتمسك بالمسار السياسي ذاته الذي فشل طوال عقود في وقف الاستيطان أو إنهاء الاحتلال أو حتى حماية الفلسطينيين من الحرب. وكأن السلطة الفلسطينية، رغم إدراكها لانهيار جزء كبير من رهاناتها السابقة، ما زالت عاجزة عن تخيل مشروع سياسي مختلف.

هذا التناقض لم يكن فقط في الموقف من أوسلو، بل أيضاً في طبيعة الخطاب نفسه. فالرئيس الفلسطيني لم يتحدث كلغة حركة تحرر وطني تخوض صراعاً مفتوحاً، بل كلغة رئيس سلطة يسعى لإقناع العالم بأنه ما زال قادراً على إدارة السكان والأرض والمؤسسات. وحتى حين تحدث عن المقاومة، حصرها في إطار "المقاومة الشعبية السلمية"، أي ضمن تصور يقوم على ضبط الصراع لا توسيعه.

وفي جانب آخر من الخطاب، حمل حديث  الرئيس الفلسطيني  عن الاتفاق مع الرئيس اللبناني عون لتسليم سلاح الفصائل الفلسطينية في المخيمات اللبنانية دلالات أعمق مما يبدو. فهذا الإعلان لا يتعلق فقط بترتيبات أمنية داخل لبنان، بل يعكس توجهاً إقليمياً أوسع نحو إعادة ضبط الوجود الفلسطيني المسلح، وربما إنهاء أي صيغة لسلاح فلسطيني خارج السيطرة الرسمية العربية والفلسطينية. ولذلك حين وصف  الرئيس الفلسطيني  هذا السلاح بأنه "ليس سلاح مقاومة بل سلاح قتل داخلي"، كان يرسل رسالة سياسية تتجاوز لبنان نفسه.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل ما زال هذا الخطاب قادراً على إقناع الفلسطينيين؟

بعد الحرب، يبدو أن الفجوة بين الشارع الفلسطيني والسلطة الفلسطينية اتسعت أكثر من أي وقت مضى. فبينما يتجه جزء كبير من المزاج الشعبي نحو الاعتقاد بأن مشروع التسوية انتهى عملياً، ما زالت القيادة الرسمية تتمسك باللغة ذاتها تقريباً: الشرعية الدولية، حل الدولتين، الإصلاحات، العملية السياسية، والمفاوضات.

لهذا بدا خطاب  الرئيس الفلسطيني  وكأنه محاولة متأخرة لاستعادة السيطرة على لحظة تاريخية تتغير بسرعة أكبر من قدرة السلطة على مواكبتها. كان خطاباً دفاعياً أكثر منه هجومياً، وخطاب تثبيت للنظام السياسي القائم أكثر من كونه طرحاً لمشروع وطني جديد.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية ما جرى في رام الله. فالمؤتمر الثامن لفتح يأتي بعد عشر سنوات من الجمود التنظيمي، وفي لحظة ربما تكون الأخطر في التاريخ الفلسطيني المعاصر منذ النكبة. والحقيقة أن خطاب الرئيس الفلسطيني  كشف، بوضوح غير مسبوق، أن المعركة المقبلة لن تكون فقط مع إسرائيل، بل أيضاً على شكل النظام السياسي الفلسطيني نفسه: من يمتلك الشرعية؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يحدد معنى المقاومة؟ ومن يرث فلسطين السياسية بعد غزة؟

هذه الأسئلة كانت حاضرة في كل سطر تقريباً من الخطاب، حتى وإن لم تُقل بصورة مباشرة.

دلالات

شارك برأيك

قراءة في خطاب الرئيس الفلسطيني أمام المؤتمر الثامن لحركة فتح

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.