عربي ودولي

الأربعاء 13 مايو 2026 8:58 مساءً - بتوقيت القدس

نهج ترامب في الشرق الأوسط: هدنات تكتيكية تغذي حالة 'لا حرب ولا سلام'

كشف تقرير تحليلي نشرته مجلة 'نيويوركر' عن تعقيدات المشهد السياسي والعسكري بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أن العقبات أمام اتفاق دائم تزايدت منذ إعلان وقف إطلاق النار في نيسان الماضي. وترفض طهران بشكل قاطع إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي للملاحة الدولية، مشترطةً توصل الاحتلال الإسرائيلي إلى اتفاق نهائي وشامل لوقف إطلاق النار في لبنان، مع إصرارها على إبقاء الممر المائي تحت سيطرتها المباشرة.

ورداً على التعنت الإيراني، فرضت الإدارة الأمريكية حصاراً بحرياً مشدداً على الموانئ الإيرانية، في محاولة لانتزاع تنازلات اقتصادية تضمن تدفق النفط العالمي. هذا الصراع المحتدم أدى إلى اضطرابات حادة في سلاسل التوريد العالمية، حيث قفزت أسعار النفط إلى مستويات قياسية بلغت 126 دولاراً للبرميل، مما فاقم الأزمة الاقتصادية الدولية رغم صمود الهدنة العسكرية في خطوطها العريضة.

التصعيد الميداني لم يتوقف عند حدود الحصار، إذ أطلقت إدارة ترامب ما أسمته 'مشروع الحرية'، وهي عملية عسكرية تهدف لتأمين عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز بالقوة. وقابلت طهران هذه الخطوة بهجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة استهدفت حلفاء واشنطن في المنطقة، بما في ذلك منشآت طاقة حيوية في الإمارات، بالإضافة إلى استهداف مباشر لقطع بحرية تابعة للجيش الأمريكي.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الأمريكية دمرت زوارق إيرانية سريعة واعترضت صواريخ كروز ومسيرات خلال الأسابيع الأولى من الهدنة المفترضة. وصرح الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن إيران نفذت أكثر من عشر هجمات ضد أصول أمريكية واستولت على سفن حاويات، واصفاً هذه التحركات بأنها مضايقات 'منخفضة المستوى' لا ترقى حتى الآن لاندلاع حرب شاملة.

من جانبه، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن وقف إطلاق النار لا يزال قائماً رغم الانتهاكات الإيرانية المتكررة ضد الأفراد الأمريكيين والحلفاء الإقليميين. ويثير هذا الموقف دهشة المراقبين الدوليين الذين يرون في استمرار الهجمات مؤشراً على هشاشة الاتفاقات التي تبرمها إدارة ترامب، والتي تفتقر إلى ضمانات أمنية حقيقية تمنع تجدد الصراع الواسع.

ويرى خبراء في حل النزاعات الدولية أن نهج ترامب يعتمد على 'الهدنات التكتيكية' بدلاً من الحلول الهيكلية العميقة، حيث يتم استخدام النفوذ الاقتصادي والتهديد العسكري لوقف القتال مؤقتاً دون معالجة جذور الأزمة. هذا الأسلوب يؤدي إلى وضع يتسم بـ 'لا حرب ولا سلام'، حيث يتم تأجيل الانفجار الكبير بدلاً من نزع فتيله بشكل نهائي عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.

وعلى عكس الإدارات السابقة التي كانت تعتمد على جيوش من الدبلوماسيين والمفاوضين المحترفين، يقود فريق ترامب شخصيات ذات خلفيات في الاستثمار العقاري مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. ويقول محللون إن هذا الفريق يسعى لتحقيق 'انتصارات سريعة' وصور تذكارية تخدم البروباغندا السياسية، متجاهلاً التعقيدات التاريخية والنفسية للخصوم في منطقة الشرق الأوسط.

وفي سياق متصل، يتباهى ترامب بلقب 'رئيس السلام' مدعياً إنهاء عشر حروب حول العالم، من بينها نزاعات في القوقاز وأفريقيا وآسيا. ومع ذلك، تشير الوقائع على الأرض إلى أن معظم هذه الاتفاقات لم تفضِ إلى استقرار دائم، بل ظلت مجرد تجميد للصراعات التي لا تزال قابلة للاشتعال في أي لحظة نتيجة غياب الحلول السياسية الشاملة.

أما في الساحة الفلسطينية، فيعتبر مراقبون أن 'خطة العشرين نقطة' التي رعاها ترامب بين الاحتلال وحماس لم تحقق سوى إطلاق سراح الرهائن مع تأجيل القضايا الجوهرية. وأفادت مصادر بأن غارات الاحتلال قتلت مئات الفلسطينيين منذ توقيع الاتفاق، في حين لا تزال غزة تعاني من انقسام حاد وسيطرة عسكرية إسرائيلية متزايدة، مما يفرغ مصطلح 'وقف إطلاق النار' من مضمونه.

وفي لبنان، لم يمنع الاتفاق الذي نسب ترامب الفضل فيه لنفسه استمرار العمليات العسكرية، حيث سقط نحو 400 قتيل منذ نيسان الماضي جراء غارات الاحتلال. وتواصل قوات الاحتلال تدمير القرى في الجنوب اللبناني، بينما يرد حزب الله باستهداف المستوطنات، مما يعزز القناعة بأن هذه الهدنات ليست سوى استراحة محارب لإعادة تموضع القوى المتصارعة.

وتشير تقارير إلى أن إيران تنظر بريبة شديدة لانتهاكات الاحتلال المتكررة للهدنات في غزة ولبنان، وتخشى أن تكون هي الهدف القادم لاستراتيجية 'الحرب الدائمة'. ويرى تريتا بارسي، الخبير في الشأن الإيراني أن طهران لن تقبل باتفاقات جزئية تسمح للاحتلال بنقل ثقل الصراع من جبهة إلى أخرى، بل تسعى لفرض واقع أمني جديد يحمي مصالحها الاستراتيجية.

وتواجه الدبلوماسية الأمريكية حالياً ما يعرف بـ 'مفارقة الضغط'، حيث يؤدي تزايد تهديدات ترامب إلى زيادة تمرد النظام الإيراني بدلاً من خضوعه. وقد عبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن هذا التوجه بالتأكيد على أن استمرار الوضع الراهن غير مقبول لواشنطن، ملمحاً إلى أن طهران لم تستخدم بعد كافة أوراق القوة التي تملكها.

وتحذر مراكز أبحاث دولية من أن غياب العمل المؤسسي الدبلوماسي واستبداله بـ 'منطق الصفقات العقارية' يضع المنطقة في مهب الريح. فبينما يغيب وزير الخارجية ماركو روبيو عن التحركات الميدانية، يبرز دور المحافظين الجدد في واشنطن الذين يدفعون نحو مواجهة شاملة وتغيير النظام في إيران، وهو ما يتناقض مع وعود ترامب بإنهاء الحروب.

في نهاية المطاف، تظل الهوة شاسعة بين مطالب واشنطن بنزع السلاح النووي الإيراني وفتح المضائق، وبين مطالب طهران برفع العقوبات والحصول على ضمانات أمنية. وطالما استمرت إدارة ترامب في استخدام وقف إطلاق النار كـ 'عصا' للضغط بدلاً من كونه جسراً للسلام، فإن احتمالات اندلاع مواجهة كبرى تظل قائمة وبقوة في ظل نظام دولي متفكك.

دلالات

شارك برأيك

نهج ترامب في الشرق الأوسط: هدنات تكتيكية تغذي حالة 'لا حرب ولا سلام'

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.