عربي ودولي

الإثنين 11 مايو 2026 9:17 مساءً - بتوقيت القدس

ملف العلاقات مع الجزائر يُشعل الصراع المبكر بين مرشحي الرئاسة الفرنسية لعام 2027

برز ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية كأحد أكثر القضايا إثارة للجدل في أروقة السياسة الفرنسية، حيث بدأ كبار المرشحين لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في انتخابات 2027 برسم خطوطهم العريضة تجاه هذا الملف الشائك. ويظهر بوضوح انقسام حاد بين تيار يساري يسعى لتعزيز التقارب وتجاوز أزمات الماضي، وبين تيار يميني يرفض ما يصفه بـ 'سياسة الخضوع' للمطالب الجزائرية.

هذا الحراك السياسي جاء مدفوعاً بخطوات عملية اتخذتها الإليزيه مؤخراً لكسر الجمود الدبلوماسي، شملت عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى مزاولة مهامه في الجزائر العاصمة. كما اعتبر مراقبون أن مشاركة الوزيرة المنتدبة أليس روفو في إحياء ذكرى مجازر 8 مايو 1945 بسطيف، تمثل إشارة قوية من ماكرون لرفض سياسة القطيعة التي يروج لها خصومه.

من جانبه، دافع الرئيس إيمانويل ماكرون عن نهجه القائم على التهدئة، مؤكداً ضرورة بناء علاقة مستقرة بعيداً عن المزايدات السياسية الداخلية التي تخدم أجندات انتخابية ضيقة. وشدد ماكرون خلال تصريحاته الأخيرة على أهمية الحوار المستمر مع الجانب الجزائري في ملفات حيوية تشمل الأمن، والقضاء، والاقتصاد، بالإضافة إلى ملف الذاكرة المعقد.

وفي معسكر المؤيدين للتقارب، برز رئيس الوزراء الأسبق دومينيك دو فيلبان الذي رأى في التحركات الأخيرة 'ذوباناً للجليد' في العلاقات الأمنية والسياسية بين البلدين. واعتبر دو فيلبان أن الجزائر تمثل ثقلاً محورياً في منطقة المغرب العربي، مما يفرض على باريس انتهاج سياسة واقعية تضمن مصالح الطرفين وتؤدي لعودة الأمور إلى طبيعتها تدريجياً.

أما زعيم حزب 'فرنسا الأبية' جان لوك ميلونشون، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بوصفه لتوجه ماكرون بأنه 'أكثر ذكاءً وواقعية' مقارنة بطروحات اليمين المتشدد. ودعا ميلونشون، الذي أعلن رسمياً خوضه السباق الرئاسي، إلى مواصلة الحوار حتى الوصول إلى تفاهم شامل، محذراً من الأصوات التي تسعى لإعادة إنتاج مناخات 'حرب الجزائر' في العصر الحديث.

في المقابل، يقود برونو روتايو، المرشح الرسمي لحزب 'الجمهوريين'، جبهة المعارضة الشرسة لسياسات الإليزيه تجاه الجزائر، واصفاً إياها بـ 'سياسة الاستسلام'. ويرى روتايو أن فرنسا باتت رهينة لما يسميه 'ابتزاز الذاكرة'، مطالباً بتبني موقف حازم يربط بين التعاون الدبلوماسي وبين ملفات ترحيل المهاجرين غير القانونيين.

ولم يبتعد رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب عن هذا الخط المتشدد، حيث صرح بوضوح أنه لن يقبل باستمرار منح امتيازات لدولة تواصل انتقاد فرنسا بشكل مستمر. ويصنف فيليب ضمن التيار اليميني الذي يطالب بمراجعة جذرية للاتفاقيات الثنائية، خاصة تلك المتعلقة بالهجرة والامتيازات القنصلية الممنوحة للرعايا الجزائريين.

بدوره، يواصل جوردان بارديلا، رئيس حزب 'التجمع الوطني'، استغلال هذا الملف لتعزيز شعبيته بين أوساط اليمين القومي، من خلال التركيز على قضايا السيادة الوطنية. ويرى بارديلا أن أي تقارب مع الجزائر يجب أن يكون مشروطاً بتحقيق مكاسب فرنسية واضحة في ملفات الأمن والحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية.

وتشير تقارير إلى أن هذا الانقسام يعكس صراعاً أعمق حول هوية فرنسا وعلاقتها بماضيها الاستعماري، حيث يمثل ملف الذاكرة حجر العثرة الأكبر أمام أي استقرار دائم. وبينما تحاول الحكومة الحالية ترميم الثقة، يرى المعارضون أن هذه الجهود لا تقابل بخطوات مماثلة من الجانب الجزائري، مما يزيد من حدة السجال الانتخابي.

وتلعب الكتلة الانتخابية المرتبطة بالجزائر، سواء من المهاجرين أو 'الأقدام السوداء'، دوراً حاسماً في توجيه بوصلة المرشحين، حيث يسعى كل طرف لاستقطاب فئة محددة. فاليسار يراهن على أصوات الجالية المؤيدة للمصالحة، بينما يغازل اليمين أحفاد المستوطنين والحركى الذين يتبنون مواقف أكثر راديكالية تجاه السلطات الجزائرية.

وتؤكد مصادر مطلعة أن استئناف التعاون في ملفات القضاء والأمن يمثل حاجة ملحة للطرفين، رغم الضجيج السياسي الذي يحيط بهذه الملفات في باريس. ومع ذلك، تظل اتفاقيات عام 1968 المنظمة للهجرة هي 'القنبلة الموقوتة' التي قد تنفجر في وجه أي محاولة للتقارب الشامل إذا ما استمر ضغط اليمين لإلغائها.

إن المشهد السياسي الفرنسي الحالي يشير إلى أن الجزائر لن تكون مجرد ملف خارجي، بل ستكون حاضرة في قلب النقاشات المحلية حول الهوية والأمن القومي. وهذا التداخل بين السياسة الخارجية والداخلية يجعل من الصعب التنبؤ بمسار العلاقات في ظل التغيرات المحتملة في هرم السلطة الفرنسية بعد عامين.

وفي ظل هذه التجاذبات، تترقب الجزائر المسار الذي ستسلكه الانتخابات الفرنسية، مدركة أن استقرار العلاقات يعتمد بشكل كبير على هوية الساكن الجديد لقصر الإليزيه. فبينما يميل البعض للتهدئة، يلوح آخرون بإنهاء 'الاستثناء الجزائري' في القوانين الفرنسية، مما قد يعيد العلاقات إلى مربع التوتر الأول.

ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام صانع القرار الفرنسي هو موازنة المصالح الاستراتيجية مع الجزائر مقابل الضغوط الشعبوية المتزايدة في الداخل. وسيكون على المرشحين تقديم رؤى واضحة تتجاوز الشعارات الانتخابية للتعامل مع بلد لا يمكن لفرنسا تجاهل دوره الإقليمي والدولي في القارة الأفريقية والمتوسط.

دلالات

شارك برأيك

ملف العلاقات مع الجزائر يُشعل الصراع المبكر بين مرشحي الرئاسة الفرنسية لعام 2027

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.