عربي ودولي

الأحد 10 مايو 2026 11:17 مساءً - بتوقيت القدس

القضاء السوري يجرد بشار وماهر الأسد من حقوقهما المدنية ويحاكم عاطف نجيب بتهم جرائم حرب

شهدت العاصمة السورية دمشق تطوراً قضائياً بارزاً مع انطلاق جلسات محاكمة رموز النظام السابق، حيث مثل عاطف نجيب، الرئيس الأسبق لفرع الأمن السياسي في درعا، داخل قفص الاتهام أمام محكمة الجنايات الرابعة. وتأتي هذه الخطوة في إطار مسار العدالة الانتقالية الذي بدأته السلطات الجديدة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي وقعت منذ مطلع عام 2011.

ووجه القضاء السوري رسمياً اتهامات لعاطف نجيب، وهو ابن خالة الرئيس المخلوع، بارتكاب جرائم قتل وتعذيب واعتقال تعسفي وصفت بأنها ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وقد تلا القاضي فخر الدين العريان ملخص الاتهام الذي ركز على مسؤولية نجيب المباشرة عن قمع الحراك السلمي في محافظة درعا باستخدام القوة المفرطة.

وبالتزامن مع المحاكمة الوجاهية لنجيب، أعلنت المحكمة الشروع في إجراءات المحاكمة الغيابية بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر وستة من كبار قادة النظام السابق. وتضمن القرار تجريد هؤلاء المتهمين من حقوقهم المدنية كافة، ووضع جميع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة السورية المؤقتة إلى حين صدور أحكام نهائية.

لائحة الاتهام ضد عاطف نجيب تضمنت تفاصيل مروعة حول تعذيب الأطفال على خلفية كتابات سياسية على الجدران، واقتحام المسجد العمري في درعا وإطلاق النار المباشر على المعتصمين. وأكد القاضي أن نجيب كان يمثل السلطة المطلقة في المحافظة، حيث أصدر أوامر مباشرة بالقتل والاعتقال ضمن بنية هرمية منظمة استهدفت المدنيين بشكل منهجي.

من جانبه، صرح رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، بأن هذه المحاكمات تمثل رسالة واضحة بأن الانتهاكات الجسيمة بحق الشعب السوري لا تسقط بالتقادم. وأضاف أن الدولة السورية ماضية في مسار المساءلة لضمان عدم الإفلات من العقاب وتحقيق الإنصاف لآلاف الضحايا الذين عانوا من القمع والتعذيب.

وفي قراءة قانونية لهذه التطورات، رأى المحامي الحقوقي ميشال شماس أن علنية الجلسات خطوة إيجابية، لكنه حذر من وجود ثغرات مؤسساتية قد تؤثر على مصداقية النتائج النهائية. وأشار شماس إلى ضرورة وجود تشريعات وطنية واضحة تعرّف الجرائم الدولية بدقة، لضمان توافق المحاكمات مع المعايير القانونية العالمية المعترف بها.

كما نبه شماس إلى أهمية تجنب الخلط بين التوصيفات القانونية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مشدداً على ضرورة إدراج تهم الإخفاء القسري والاضطهاد ضمن لوائح الاتهام. واعتبر أن نجاح هذه التجربة يتوقف على استقلال القضاء التام عن أي ضغوط سياسية أو أمنية، وتوفير حماية حقيقية للشهود والضحايا المشاركين في الجلسات.

في المقابل، دافع المحامي عبد الناصر حوشان عن الإجراءات الحالية، مؤكداً أنها تستند إلى قواعد قانونية وطنية صلبة وتوفر الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. وأوضح حوشان أن المحكمة تمارس صلاحياتها وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، مما يمنحها الولاية القانونية الكاملة للنظر في هذه الجرائم الجسيمة.

وأشار حوشان إلى أن المحاكمات الغيابية بحق بشار وماهر الأسد تتبع سياقاً قانونياً دقيقاً يبدأ بالتبليغ أصولاً ثم اعتبارهم فارين من وجه العدالة بعد انقضاء المهل. وهذا الوضع القانوني يتيح للسلطات إصدار مذكرات قبض دولية وتعميمها، مما يضيق الخناق على المتهمين حتى في أماكن لجوئهم الحالية خارج البلاد.

وبحسب مصادر قانونية، فإن الأحكام الغيابية المتوقعة سيكون لها تداعيات سياسية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بوضع الحماية القانونية التي قد يتمتع بها بشار الأسد في الخارج. فالمبادئ الدولية المتعلقة بحق اللجوء لا تشمل الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مما قد يمهد الطريق لمطالبات دولية بتسليمهم للقضاء السوري.

وزارة العدل السورية بدأت بالفعل في عملية إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات القضائية، شملت عزل قضاة اتهموا بالمشاركة في الانتهاكات خلال فترة الحكم السابق. وشملت هذه الإجراءات قضاة محاكم الإرهاب والمحاكم الميدانية الاستثنائية التي كانت تستخدم كأدوات لقمع المعارضين وتصفيتهم قانونياً تحت غطاء أحكام جائرة.

وتؤكد السلطات القضائية الحالية أن البنية الجديدة تضم قضاة يتمتعون بالكفاءة والنزاهة، وهم قادرون على إدارة هذه الملفات المعقدة بكفاءة عالية. كما شددت على أن حق الدفاع مكفول لجميع المتهمين، بما في ذلك حقهم في توكيل محامين والمثول أمام القضاء للدفاع عن أنفسهم ضد التهم المنسوبة إليهم في جلسات علنية.

حقوق الضحايا تظل في قلب هذه العملية القضائية، حيث يكفل القانون السوري للمتضررين حضور الجلسات والمطالبة بالتعويضات المدنية وجبر الضرر. وتتحرك الدعوى العامة بناءً على شكاوى مباشرة قدمها الضحايا، مما يعزز من شرعية المحاكمة كأداة لرد المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها بعد سنوات من التغييب القسري.

تعد هذه الجلسات محطة مفصلية في تاريخ القضاء السوري، حيث تسعى الدولة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة العدلية. ورغم التحديات الاقتصادية واللوجستية، يرى مراقبون أن تحقيق العدالة هو الركيزة الأساسية لاستقرار سوريا في المرحلة المقبلة، ومنع تكرار سيناريوهات العنف والانتقام خارج إطار القانون والدولة.

دلالات

شارك برأيك

القضاء السوري يجرد بشار وماهر الأسد من حقوقهما المدنية ويحاكم عاطف نجيب بتهم جرائم حرب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.