رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات -7/5/2026
في مشهد يعكس التراجع المتسارع لحرية التعبير داخل الجامعات الأميركية، رضخت "جامعة روتغرز Rutgers University " في ولاية نيوجيرزي لضغوط جماعات مؤيدة لإسرائيل وقررت سحب دعوتها لرجل الأعمال الأميركي من أصل فلسطيني رامي غندور لإلقاء كلمة التخرج في كلية الهندسة، رغم الدعم الواسع الذي يحظى به داخل الحرم الجامعي.
وكان غندور، الرئيس التنفيذي لشركة التكنولوجيا الحيوية آرسيليكس Arcellx وأحد أبرز خريجي الجامعة، مدعواً لإلقاء خطاب حفل التخرج في 15 أيار، قبل أن يتراجع عميد الكلية ألبرتو كويتينيو عن الدعوة بصورة مفاجئة، بذريعة اعتراض عدد محدود جداً من الطلبة على مواقف غندور المنتقدة لإسرائيل.
وبحسب معطيات متداولة داخل الجامعة، فإن عدد المعترضين لم يتجاوز أربعة طلاب فقط، في مقابل تأييد واسع من آلاف الطلبة والخريجين الذين رأوا في اختيار الغندور نموذجاً ملهماً لخريج ناجح جمع بين التفوق المهني والانخراط في قضايا العدالة الإنسانية. غير أن إدارة الجامعة اختارت، كما يقول منتقدوها، الاستجابة لصوت الأقلية الضاغطة المدعومة سياسياً وإعلامياً، متجاهلة المزاج العام داخل الحرم الجامعي.
وأكد متحدث باسم الجامعة أن القرار جاء بعد مخاوف من مقاطعة بعض الطلبة للحفل بسبب منشورات الغندور المتعلقة بإسرائيل. لكن الجامعة تجنبت الكشف عن طبيعة تلك المنشورات، التي تضمنت في معظمها صوراً وتقارير عن الحرب في غزة، إلى جانب تعليقات تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وتطبيق نظام فصل عنصري بحق الفلسطينيين.
ويُعرف غندور بنشاطه الحقوقي العلني، كما سبق للجامعة نفسها أن احتفت بدوره كمنتج تنفيذي للفيلم الوثائقي "صوت هند رجب"، الذي يوثق قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي قُتلت خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. إلا أن هذا الاحتفاء تبدد سريعاً عندما أصبح موقفه السياسي عرضة لهجوم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
وفي رد غاضب، وصف غندور قرار الجامعة بأنه "مؤلم ومخزٍ"، معتبراً أن المؤسسة الأكاديمية التي استخدمت نشاطه الحقوقي سابقاً لتحسين صورتها العامة، تخلت عن مبادئها عند أول اختبار سياسي حقيقي. وقال: “لقد احتفوا بعدالتي الاجتماعية عندما كانت مريحة لهم، ثم تراجعوا عنها عندما أصبحت مكلفة”.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الجامعات الأميركية حملة ضغوط غير مسبوقة تستهدف الأصوات المؤيدة للفلسطينيين، سواء من الطلبة أو الأساتذة أو المتحدثين الضيوف. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، تحولت الجامعات إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة، حيث تواجه الإدارات تهديدات متكررة من سياسيين جمهوريين ومتبرعين نافذين يطالبون بقمع أي خطاب ينتقد إسرائيل.
وفي حادثة مشابهة، اضطرت جامعة ميشيغان University of Michigan هذا الأسبوع إلى التنصل من كلمة ألقاها أستاذ التاريخ ديريك بيترسون خلال حفل تخرج، بعدما أشاد بالطلبة المتضامنين مع فلسطين. وقد أثارت الكلمة تهديدات بقطع التمويل عن الجامعة، ما دفع الإدارة إلى الاعتذار علناً، في خطوة أثارت غضب جماعات الدفاع عن الحرية الأكاديمية.
ويرى مراقبون أن ما حدث في روتجرز يكشف بوضوح حدود "حرية التعبير" داخل المؤسسات الأكاديمية الأميركية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. فبينما تتباهى الجامعات بشعارات التنوع والانفتاح الفكري، فإنها غالباً ما تتراجع أمام أي ضغط سياسي أو مالي مرتبط باللوبيات المؤيدة لإسرائيل، حتى لو جاء الاعتراض من عدد ضئيل للغاية من الأفراد.
وتكشف قضية رامي غندور حالة الانحدار الأخلاقي التي أصابت عدداً من الجامعات الأميركية الكبرى، والتي باتت تتعامل مع حرية التعبير بوصفها امتيازاً انتقائياً لا حقاً أكاديمياً ثابتاً. فجامعة روتجرز لم تلغِ الدعوة بسبب خطاب كراهية أو تحريض، بل بسبب انتقاد سياسي لإسرائيل يستند إلى وقائع موثقة وتقارير حقوقية دولية. الأخطر أن الجامعة رضخت لضغوط أربعة طلاب فقط، متجاهلة آلاف الطلبة الذين أيدوا مشاركة الغندور. وهذا يعكس حجم النفوذ الذي باتت تمارسه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل المؤسسات التعليمية الأميركية، حتى على حساب استقلال الجامعات ومصداقيتها الأكاديمية.
وما جرى في روتجرز يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الديمقراطية الأميركية وحدودها الفعلية. فعندما تصبح الجامعات، التي يُفترض أن تكون فضاءات للنقاش الحر، عاجزة عن استضافة متحدث ينتقد حرباً أودت بحياة عشرات آلاف المدنيين في غزة، فإن الحديث عن "التعددية الفكرية" يتحول إلى مجرد شعار فارغ. وقد أظهرت الحرب على غزة أن هناك سقفاً سياسياً صارماً داخل الولايات المتحدة يمنع توجيه نقد حقيقي لإسرائيل دون التعرض للعقاب أو الإقصاء. وهكذا تتحول المؤسسات الأكاديمية تدريجياً إلى أدوات خاضعة للترهيب السياسي والابتزاز المالي أكثر من كونها ساحات مستقلة للفكر والمعرفة.
المفارقة اللافتة أن حملات القمع المتزايدة ضد الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين بدأت تنتج أثراً معاكساً داخل المجتمع الأميركي، خاصة بين الشباب والطلبة. فكلما ازداد قمع الخطاب المؤيد لفلسطين، اتسعت القناعة بأن هناك محاولة منظمة لإسكات رواية إنسانية تتعلق بالحقوق والعدالة. كما أن انحناء الجامعات المتكرر أمام ضغوط اللوبيات المؤيدة لإسرائيل يضر بصورة تلك المؤسسات أكثر مما يحميها، إذ يكشف هشاشة ادعائها الاستقلالية. وبالنسبة لكثير من الطلبة الأميركيين، أصبحت الجامعات تبدو اليوم أقل استعداداً للدفاع عن المبادئ التي طالما تباهت بها أمام العالم.





شارك برأيك
جامعة روتجرز تنحني لضغوط اللوبيات المؤيدة لإسرائيل وتسحب دعوة متحدث انتقد الحرب على غزة