أقلام وأراء

الثّلاثاء 05 مايو 2026 8:08 مساءً - بتوقيت القدس

كعكة الإعدام وفاشية الاحتلال: قراءة في عقلية الإبادة الصهيونية

لا يحتاج المراقب لفتح الدفاتر الصهيونية القديمة لفهم طبيعة الفاشية الحالية، إذ يكفي تتبع سلوك وتصريحات أقطاب الحكومة الإسرائيلية الراهنة. تتجلى أيديولوجيا الإبادة والمحو في نهج إيتمار بن غفير تجاه الأسرى، ومشاريع بتسلئيل سموتريتش للسطو على الأراضي وتمويل الاستيطان، مما يختصر عناء البحث في الجذور التاريخية لهذا الفكر المتطرف.

إن مشهد احتفاء زوجة وزير أمن الاحتلال بعيد ميلاده عبر تقديم 'كعكة إعدام الأسرى' المذيلة بعبارة 'الأحلام تتحقق أحيانا'، يمثل درساً بليغاً في علم الاجتماع السياسي لتفسير ظاهرة التعطش للإرهاب. هذا السلوك ليس مجرد تصرف فردي، بل هو انعكاس لثقافة الاحتفاء بقتل الأطفال والنساء وتدمير الممتلكات ومحو الأثر الإنساني للفلسطينيين.

تتراكم المشاهد القادمة من قطاع غزة وجنوب لبنان لتؤكد أن العقلية العنصرية تعمل بشكل منهجي على نزع الصفة البشرية عن العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً. إن شرب نخب قوانين الإعدام والابتهاج برمزية المشنقة يعكس ما يتم تلقينه للجنود والمستوطنين من مفاهيم تلغي حق صاحب الأرض في الوجود التاريخي والحضاري.

يضع العقل الصهيوني الفلسطينيين على قائمة 'الترانسفير' والإبادة الجماعية كخيار استراتيجي لا يحيد عنه، وهو ما يفسر الوحشية المفرطة في غزة ومحاولات استنساخها في القرى اللبنانية. هذه الممارسات تستند إلى فتاوى حاخامية وأساطير تلمودية ترى في 'الأغيار' مستوى بشرياً أدنى، مما يشرعن ارتكاب المذابح لتحقيق نبوءات دينية مزعومة.

يعود نبع التعامل الوحشي مع أصحاب الأرض إلى نكبة عام 1948، حيث استمر العدوان لسلب ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية وتفريغ حقد التعاليم الفاشية. إن الهستيريا الجماعية التي تسود المجتمع الإسرائيلي اليوم ضد كل ما هو عربي، مسلم أو مسيحي، هي الثمرة المرة لعقود من التحريض الممنهج وتغييب المحاسبة الدولية.

ساهم التساهل الدولي المفرط مع جرائم الاحتلال في تعزيز شعور قادته بالحصانة من العقاب، حيث يتم تبرير الانتهاكات بمنطق 'الدفاع عن النفس'. ثمانية عقود من استرخاص الدم الفلسطيني جعلت من صياغة القوانين الفاشية وتكريس الفصل العنصري ممارسة روتينية تحظى بدعم سياسي وقانوني داخل مؤسسات الاحتلال.

يعيد العالم اليوم تكرار سيناريوهات النفاق الدولي عبر الصمت عن الإبادة المتواصلة في لبنان وغزة، بينما يركز خطابه على ملفات ثانوية تخدم الرواية الإسرائيلية. هذا الصمت المطبق تجاه عصابات الاستيطان وعمليات التهويد المتسارعة يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للمضي قدماً في تصفية القضية الفلسطينية وضم الأراضي.

حتى اللحظة، لم تتبلور مواقف عربية أو دولية حازمة قادرة على لجم الفاشية الإسرائيلية أو تفعيل مرجعيات القانون الدولي بشكل حقيقي. على العكس من ذلك، تجد إسرائيل في الدعم الأمريكي والغربي المطلق فرصة ذهبية لتنفيذ مخططاتها العدوانية وسحق الحقوق الوطنية الفلسطينية تحت وطأة السلاح.

تتكاتف عوامل داخلية عديدة في المجتمع الإسرائيلي تدفعه نحو التعايش مع أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخه، مما ينهي أي أمل في مسارات السلام المزعومة. استبدلت إسرائيل لغة الحوار بترسيخ جرائم الفصل العنصري (الأبارتهايد) وسن تشريعات تشرعن القتل الجماعي والتنكيل بالأسرى في سجونها.

حكومة نتنياهو الحالية ليست استثناءً عابراً، بل هي التعبير الصارخ عن طبيعة التعبئة الفكرية التي مارستها الصهيونية على أتباعها طوال قرن من الزمان. دعوات بن غفير وسموتريتش لإعدام الأسرى وتحويل المنطقة لساحة استيطان واسعة هي النتيجة المنطقية لمشروع قام أصلاً على نفي الآخر وإبادته.

تفسر الشهية الصهيونية لـ 'كعكة الإعدام' توالي مشاهد التدمير الممنهج من القدس والضفة وصولاً إلى نسف قرى كاملة في الجنوب اللبناني. تدوين العبارات العنصرية على جدران البيوت المنهوبة يعكس رغبة دفينة في تحويل الأساطير الفاشية إلى واقع ملموس يفرضه الاحتلال بقوة الحديد والنار.

تبلغ البراعة الصهيونية ذروتها في تسويق الإرهاب والتطرف المشبع بالحقد الديني كأدوات ضرورية للأمن، مستغلةً حالة العجز الدولي الراهنة. يعتمد مشروع الاحتلال على حملة مسعورة لتشويه نضال الفلسطينيين واستخدام سياسة الترهيب والترغيب لفرض نمطه الفاشي على المنطقة بأسرها.

إن القاعدة التي استند إليها البنيان الصهيوني منذ بداياته كانت تعتمد على القوة الغاشمة ونفي الوجود الإنساني للفلسطيني، وهي ذاتها القاعدة التي ستؤدي لتآكله. فالتطرف الذي يغذيه قادة الاحتلال اليوم سيتحول في نهاية المطاف إلى عامل هدم داخلي يلتهم طهاة العنصرية الذين أشعلوا نيران الفتنة.

في الختام، تظل 'كعكة الإعدام' رمزاً لمرحلة بلغت فيها الفاشية الصهيونية ذروة تبجحها، مستفيدة من غطاء دولي يستر جرائمها. لكن التاريخ يؤكد أن إرادة أصحاب الأرض والحضارة قادرة على الصمود في وجه أساطير القتل، مهما بلغت وحشية المخططات الرامية لمحوها.

دلالات

شارك برأيك

كعكة الإعدام وفاشية الاحتلال: قراءة في عقلية الإبادة الصهيونية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.