اقتصاد

الإثنين 04 مايو 2026 3:39 مساءً - بتوقيت القدس

الاقتصاد المغربي أمام مجهر البنك الدولي: نمو مستمر وتحديات هيكلية في خلق الوظائف

أصدر البنك الدولي مؤخراً تقريراً تفصيلياً حول آفاق الاقتصاد المغربي تحت عنوان 'تسلق جبال الأطلس'، والذي جاء لتقييم مدى تقدم المملكة في تحقيق أهداف نموذجها التنموي الجديد. ويهدف هذا النموذج، الذي أقر في عام 2021، إلى إحداث تحولات جذرية تشمل مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بالإضافة إلى رفع نسب مشاركة المرأة في سوق العمل بشكل ملموس.

أشار التقرير إلى أن المغرب نجح في إرساء قواعد اقتصاد حديث ومتنوع عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية، مما حول البلاد إلى مركز لوجستي يربط بين القارتين الأوروبية والأفريقية. وقد برزت صناعات الطيران والسيارات كقطاعات رائدة في التصدير، مما ساهم في تعزيز مكانة المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية وجذب استثمارات أجنبية نوعية خلال السنوات الأخيرة.

بالرغم من هذه النجاحات، توقف البنك الدولي عند ما وصفه بـ 'الأعطاب الهيكلية' التي تعيق تحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية اجتماعية شاملة. وتتجلى هذه المعضلة في عجز الاقتصاد عن توليد فرص عمل كافية لاستيعاب التدفقات البشرية الجديدة إلى سوق الشغل، حيث سجلت الأرقام فجوة كبيرة بين النمو المحقق وحجم الوظائف المحدثة فعلياً.

كشفت البيانات الواردة في التقرير أن المغرب لم يخلق سوى 215 ألف وظيفة سنوياً في المتوسط خلال العقدين الماضيين، وهو رقم يقل كثيراً عن الاحتياجات الفعلية لضمان استقرار معدلات التوظيف. وتفاقمت هذه الفجوة بشكل ملحوظ بين عامي 2020 و2024، حيث تشير التقديرات إلى الحاجة لنحو 370 ألف وظيفة سنوياً لمواكبة الطلب المتزايد من الشباب والخريجين.

ثمة مفارقة لافتة رصدها المحللون تتمثل في وجود نحو 360 ألف شركة مسجلة في المغرب، ومع ذلك تظل قدرة هذه الشركات على التوظيف محدودة للغاية. ويرجع التقرير هذا الخلل إلى ضعف الإنتاجية وبقاء مكاسب تراكم رأس المال بعيدة عن التأثير المباشر في تحسين مستويات الدخل والمعيشة للطبقات المتوسطة والفقيرة في المجتمع المغربي.

حدد التقرير تشوهين أساسيين في بنية الاقتصاد المغربي؛ الأول هو ضعف التنافسية الذي يسمح لبعض الشركات بالتحكم في الأسعار وتقليل الإنتاج، مما يؤدي تلقائياً إلى خفض الطلب على العمالة. أما التشوه الثاني فيتعلق بقوة احتكار الشراء في سوق العمل، وهي الظاهرة التي تمكن الشركات الكبرى من الحد من نمو الأجور الحقيقية للعاملين.

يأتي صدور هذا التقرير في توقيت سياسي حساس، حيث يسبق الانتخابات التشريعية بعدة أشهر ويتزامن مع تقديم حكومة عزيز أخنوش لحصيلتها أمام البرلمان. وتعتبر المعارضة السياسية نتائج هذا التقرير بمثابة تفنيد مهني للمزاعم الحكومية حول النجاح في تحقيق الأهداف الاجتماعية المرتبطة بالتشغيل وإصلاح منظومتي التعليم والصحة.

يرى مراقبون أن التقرير يعيد طرح السؤال الجوهري الذي وجهه العاهل المغربي سابقاً حول مصير الثروة وعوائد النمو التي لا تصل إلى مختلف شرائح الشعب. فالمشكلة لا تتعلق فقط بسياسات حكومة عابرة، بل بممارسات بنيوية أصبحت ملازمة للاقتصاد المغربي، مثل هيمنة القطاع العام على الاستثمار وضعف مساهمة القطاع الخاص في التنمية الحقيقية.

تتزايد المخاوف من أن استمرار هذه التشوهات الهيكلية قد يجعل الاقتصاد المغربي عرضة لصدمات خارجية عنيفة، خاصة في ظل تقلبات أسعار الطاقة العالمية والتوترات الجيوسياسية. فإذا لم تنجح الإصلاحات في معالجة ضعف الإنتاجية وتشتت بنية الشركات، فإن الفوائض المحققة حالياً قد لا تكفي لسد فجوات الخسائر الناتجة عن أي أزمات طارئة في المستقبل.

تتحمل الحكومة الحالية جزءاً من المسؤولية عن تفاقم هذه الأزمات، حيث يرى محللون أنها سمحت للتشوهات الاقتصادية بأن تصبح أكثر تعقيداً وشبكية. ويتطلب التحدي الراهن سياسة إصلاحات جذرية تتجاوز الحلول الترقيعية، وتهدف إلى معالجة الخلل في توزيع الثروة وضمان عدالة الفرص في سوق الشغل المغربي.

إن الرهان على انفتاح الاقتصاد وتحديثه لم يعد كافياً وحده في ظل بقاء الأعطاب الهيكلية التي تكرس حالة من الجمود رغم التحركات السريعة في بعض القطاعات. ويشدد خبراء على ضرورة البدء بإصلاح اقتصادي عميق يتزامن مع إصلاح في البيئة السياسية، بما يضمن الفصل الواضح بين السلطة ومصالح الثروة لتعزيز الشفافية والمنافسة العادلة.

في نهاية المطاف، يظل الاقتصاد المغربي في دائرة المساءلة الوطنية والدولية، حيث تتجه الأنظار نحو كيفية تعامل الدولة مع تحذيرات البنك الدولي. إن الانتقال من مرحلة 'النمو الصوري' إلى 'التنمية الدامجة' يتطلب إرادة سياسية قوية لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي بما يخدم الاستقرار الاجتماعي ويحقق تطلعات الأجيال الصاعدة في حياة كريمة.

دلالات

شارك برأيك

الاقتصاد المغربي أمام مجهر البنك الدولي: نمو مستمر وتحديات هيكلية في خلق الوظائف

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.