كشف وزير الخارجية البريطاني السابق، فيليب هاموند، عن رؤية نقدية حادة للتحركات التي يجريها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الملف النووي الإيراني. وأوضح هاموند، الذي شارك في صياغة اتفاق عام 2015 أن ترامب الذي هاجم سابقاً سياسات باراك أوباما، يجد نفسه الآن مضطراً للتفاوض على شروط قد تكون أكثر تساهلاً مع طهران.
وأشارت تقارير صحفية إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تدرس مقترحاً يتضمن الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة تصل قيمتها إلى 20 مليار دولار. يأتي هذا العرض مقابل تعليق مؤقت لعمليات تخصيب اليورانيوم، وهو ما يراه مراقبون تراجعاً عن سياسة 'الضغط الأقصى' التي انتهجها ترامب في ولايته الأولى.
ووصف هاموند المقترحات المسربة بأنها 'ضعيفة جداً' مقارنة بالاتفاق الأصلي الذي انسحب منه ترامب في عام 2018. وحذر الوزير البريطاني السابق من أن الفشل في تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى مكاسب دبلوماسية ملموسة قد يضعف مصداقية واشنطن بشكل كبير على الساحة الدولية.
من جانبه، نفى دونالد ترامب هذه التقارير مؤخراً، مؤكداً أنه يسعى إلى وقف شامل وغير محدود لتخصيب اليورانيوم في إيران. وهدد ترامب بإعادة إطلاق العمليات العسكرية في حال رفضت طهران الانصياع لشروطه، مشدداً على أنه لن يفرج عن أي أموال مجمدة قبل تحقيق اتفاق يضمن أمن المنطقة.
ويرى هاموند أن الموقف التفاوضي لإيران أصبح اليوم أقوى بكثير مما كان عليه قبل عقد من الزمن. واستند في ذلك إلى قدرة النظام الإيراني على الصمود أمام حملة قصف مشتركة تجاوزت 17 ألف ضربة، بالإضافة إلى إحكام سيطرته الميدانية على مضيق هرمز الاستراتيجي.
وتشير المعطيات الحالية إلى فجوة كبيرة في التوقعات بين الطرفين، حيث تطلب واشنطن حظراً للتخصيب لمدة 20 عاماً، بينما لا تعرض طهران سوى فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات. هذا التباين يعكس صعوبة الوصول إلى أرضية مشتركة في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
وانتقد هاموند أسلوب ترامب في إدارة الأزمات، واصفاً إياه بأنه يتسم بـ 'الفوضوية' مقارنة بالنهج المنهجي الذي يتبعه المفاوضون الإيرانيون. وأكد أن الإيرانيين يمتلكون قدرة عالية على المناورة السياسية، مما يتطلب فريقاً أمريكياً محترفاً يمتلك خبرة عميقة في دهاليز هذا الملف المعقد.
إذا دخلت التفاوض وأنت تقول 'لدي عصا كبيرة'، فمن الأفضل أن تنجح، وإلا ستبدو غبياً جداً.
وفي سياق متصل، أعرب محللون دوليون عن قلقهم من أن يؤدي أي اتفاق متسرع إلى منح إيران فرصة لاستئناف برنامجها النووي سراً. وأكدت داريا دولزفيكا، الباحثة في معهد الخدمات الموحدة الملكي أن العودة للنقاش حول نفس بنود اتفاق 2015 بعد سنوات من الحرب والدبلوماسية يعد أمراً مخيباً للآمال.
وكان اتفاق عام 2015 قد فرض قيوداً صارمة على تخصيب اليورانيوم عند مستوى 3.67%، مع منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات واسعة للمراقبة. وفي المقابل، حصلت إيران على رفع للعقوبات الاقتصادية والسماح لها ببيع نفطها في الأسواق العالمية، وهو ما اعتبره ترامب حينها 'صفقة فاشلة'.
ويعتقد هاموند أن بقاء النظام الإيراني هو المحرك الأساسي لموافقتهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مجدداً. فالحاجة إلى سحق المعارضة الداخلية وتحسين الوضع الاقتصادي تدفع طهران للبحث عن مخرج من العقوبات الخانقة، لكن دون التنازل عن مكتسباتها النووية التي حققتها مؤخراً.
وأوضح الوزير السابق أن الوفد الإيراني المفاوض عادة ما يكون منقسماً بين تيار 'المعتدلين' وتيار 'المتشددين' المرتبط بالحرس الثوري. هذا الانقسام الداخلي يجعل من عملية التفاوض معهم مهمة شاقة تتطلب نفساً طويلاً، وهو ما قد لا يتوفر في الجدول الزمني القصير الذي يفضله ترامب.
وتشير التقارير إلى أن المذكرة الحالية التي يتم تداولها لا توضح بشكل كافٍ مصير الصواريخ الباليستية الإيرانية أو دعم الوكلاء الإقليميين. وهذه النقاط كانت من أبرز الأسباب التي دفع ترامب لتمزيق الاتفاق السابق، مما يضع إدارته الحالية في مأزق أمام قاعدته الانتخابية والشركاء الإقليميين.
وفي ختام تصريحاته، شدد هاموند على ضرورة أن يستعين ترامب بالمسؤولين الذين صاغوا اتفاق 2015 إذا كان يرغب فعلياً في تحقيق 'أفضل صفقة'. فالمعرفة الفنية والسياسية بتفاصيل البرنامج النووي الإيراني هي المفتاح الوحيد لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي في المستقبل القريب.
ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة الإدارة الأمريكية على انتزاع تنازلات حقيقية من طهران في ظل الظروف الراهنة. فبين التهديد بالعصا الغليظة والرغبة في إنهاء الحروب، يبدو أن مسار الدبلوماسية النووية يتجه نحو جولة جديدة من المفاوضات الشاقة التي قد لا تختلف نتائجها كثيراً عما سبق.





شارك برأيك
وزير بريطاني سابق: مقترح ترامب الجديد مع إيران 'أضعف' من اتفاق أوباما