عربي ودولي

الجمعة 10 أبريل 2026 4:12 مساءً - بتوقيت القدس

متاهة الدبلوماسية: كيف تحول البحث عن مخرج للحرب الإيرانية إلى صراع على مضيق هرمز؟

يرى الكاتب ديفيد إغناتيوس أن المساعي الدبلوماسية لإنهاء الصراع مع إيران دخلت في نفق مظلم يشبه المتاهة، حيث يصطدم مبعوثو الإدارة الأمريكية بواقع معقد يفتقر لليقين. وبينما يسعى الرئيس ترامب لانتزاع اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، يظل ملف 'المرور الآمن' عبر مضيق هرمز العقدة الأبرز التي تبدو حتى اللحظة مجرد سراب بعيد المنال.

اتسمت مواقف ترامب بالتذبذب الحاد، فبعد أن أطلق تحذيرات شديدة اللهجة مفادها أن 'حضارة بأكملها ستموت' إذا لم تفتح إيران المضيق، عاد ليبدي تفاؤلاً مفرطاً بشأن عصر ذهبي محتمل للشرق الأوسط. هذا التناقض في الخطاب يعكس حالة من الارتباك في التعامل مع الأزمة التي تتأرجح بين التهديد بالتدمير الشامل والوعود بالازدهار الاقتصادي.

على الجانب الآخر، أكدت مصادر إعلامية إيرانية أن طهران اتخذت خطوة تصعيدية بإغلاق مضيق هرمز بالكامل، مما يضع الملاحة الدولية في مأزق حقيقي. وتزامن هذا الإغلاق مع تصريحات لرئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، لوح فيها بانسحاب بلاده من أي مسار تفاوضي ما لم يتوقف العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان.

تتجلى الفجوة الدبلوماسية في طبيعة المقترحات المتبادلة، حيث يتمسك ترامب بمقترح إيراني من عشر نقاط كقاعدة للنقاش، بينما تدرس طهران خطة أمريكية مكونة من خمس عشرة نقطة. ويرى مراقبون أن الاختلاف الجذري بين الوثيقتين يشير إلى أن الأطراف لا تزال بعيدة عن أرضية مشتركة، رغم تراجع واشنطن عن مطلب 'الاستسلام غير المشروط'.

في ظل هذا الضباب السياسي، برزت باكستان كلاعب محوري ووسيط يقود تحالفاً دولياً مدعوماً من الصين لصياغة إطار عمل للتسوية الشاملة. وتستغل إسلام آباد علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وطهران، بالإضافة إلى تنسيقها مع القوى الإقليمية مثل تركيا والسعودية والإمارات، لمحاولة جسر الهوة بين الأطراف المتصارعة.

أفادت مصادر مطلعة بأن قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران تعاني من بطء شديد وفوضى ناتجة عن تداعيات الحرب الداخلية في إيران. فالرسائل التي كانت تستغرق ساعات قليلة للرد عليها، باتت تتطلب الآن ما يصل إلى 36 ساعة، مما يعيق وتيرة التقدم في المفاوضات ويزيد من احتمالات سوء الفهم الميداني.

تعد مبادرة 'استعادة السلام والاستقرار في الخليج' التي أطلقتها الصين وباكستان في نهاية مارس الماضي، أحد أبرز المسارات الدبلوماسية التي لم تنل زخماً إعلامياً كافياً. وقد ركزت هذه المبادرة، التي نوقشت في اتصال بين ترامب وشي جين بينغ، على ضرورة وقف الأعمال العدائية وتأمين الممرات الملاحية الحيوية كأولوية قصوى.

لم تقتصر الجهود على المحور الصيني الباكستاني، بل شملت تحركات تركية بقيادة وزير الخارجية هاكان فيدان الذي أجرى مشاورات مكثفة في إسلام آباد. وشاركت في هذه المداولات أطراف عربية مثل السعودية ومصر، في محاولة جماعية لخفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة لا تحمد عقباها.

من جانبها، دخلت مجموعة الأزمات الدولية على خط الأزمة عبر حشد 46 وزيراً سابقاً للمطالبة بإعادة فتح مضيق هرمز فوراً. واقترح هؤلاء المسؤولون تطبيق نموذج 'مبادرة البحر الأسود' التي نجحت سابقاً في تأمين ملاحة الحبوب خلال الحرب الروسية الأوكرانية، كحل تقني وسياسي لفك الحصار عن المضيق.

بينما كانت هذه المبادرات تتبلور، استمر ترامب في استخدام لغة هجومية وصفتها أوساط دينية ودولية بأنها غير مقبولة، خاصة خطابه في عيد الفصح. هذا الأسلوب المتهور أدى إلى تآكل مصداقية الإدارة الأمريكية داخل الكونغرس وبين الحلفاء الأوروبيين الذين فضلوا النأي بأنفسهم عن التحركات الأحادية لإعادة فتح المضيق بالقوة.

تبرز إشكالية أخرى تتعلق بتضارب الأجندات بين واشنطن وتل أبيب، حيث تخشى الولايات المتحدة من انهيار الدولة الإيرانية وتفتتها عرقياً. وفي المقابل، يبدو أن بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين يميلون لدعم الحركات الانفصالية بين الأقليات الإيرانية، وهو ما قد يؤدي إلى فوضى إقليمية لا ترغب واشنطن في تحمل تبعاتها.

تصر إسرائيل على مواصلة عملياتها العسكرية ضد أهداف حزب الله في لبنان، وهو أمر يثير قلقاً متزايداً في البيت الأبيض نظراً لارتباطه المباشر بالموقف الإيراني في المفاوضات. هذا التشابك بين الجبهات يجعل من الصعب الوصول إلى اتفاق جزئي دون معالجة كافة ملفات الصراع الإقليمي بشكل متزامن.

تتجه الأنظار نحو إسلام آباد حيث من المتوقع انطلاق جولة جديدة من محادثات السلام، وسط غموض يلف مستوى التمثيل الدبلوماسي لكل من واشنطن وطهران. ويبقى السؤال المطروح حول ما إذا كان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس سيقود هذه المفاوضات في مواجهة المسؤولين الإيرانيين أم ستظل اللقاءات في مستويات أدنى.

في نهاية المطاف، يظل مصير مضيق هرمز هو الاختبار الحقيقي لنجاح أي تسوية سياسية، فالمضيق الذي كان شريان الحياة قبل الحرب لا يزال مغلقاً بالأغلال العسكرية. وبدون ضمانات دولية واضحة وحقيقية، ستبقى أي اتفاقات سلام مجرد حبر على ورق في ظل غياب الثقة المتبادلة بين القوى العظمى والإقليمية.

دلالات

شارك برأيك

متاهة الدبلوماسية: كيف تحول البحث عن مخرج للحرب الإيرانية إلى صراع على مضيق هرمز؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.