شهدت الساحة الدولية تحولاً لافتاً في مسار العلاقات المتأزمة بين الولايات المتحدة وكوبا، حيث رست ناقلة النفط الروسية 'أناتولي كولودكين' في ميناء ماتانزاس النفطي. وأفرغت السفينة الخاضعة للعقوبات حمولة ضخمة بلغت 700 ألف برميل من النفط الخام، في خطوة كشفت عن تراجع مفاجئ في سياسة الحصار المشددة.
يأتي هذا التطور بعد أشهر من تصريحات حازمة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أكد فيها منع وصول أي إمدادات طاقة إلى الجزيرة. إلا أن لغة البيت الأبيض تغيرت مؤخراً، حيث أبدى ترمب مرونة غير متوقعة أمام الصحفيين، مشيراً إلى عدم ممانعته الحالية لمرور شحنات النفط المتجهة إلى هافانا.
بالتزامن مع وصول الإمدادات النفطية، أقدمت الحكومة الكوبية على خطوة وصفتها بـ 'الإنسانية'، حيث أطلقت سراح 2010 سجناء بمناسبة عيد الفصح. ويرى مراقبون دوليون أن هذا التوقيت ليس محض صدفة، بل يمثل حلقة في سلسلة تفاهمات أوسع تجري خلف الكواليس بين الخصمين التاريخيين.
أفادت مصادر دبلوماسية بأن هذه التحركات المتبادلة تعكس رغبة الطرفين في بناء جسور الثقة لإنقاذ الاقتصاد الكوبي المتهالك. فقد أدى الحصار النفطي إلى شلل شبه كامل في قطاع السياحة وتوقف كبرى شركات الطيران الدولية عن تسيير رحلاتها إلى الجزيرة، مما فاقم الأزمات المعيشية.
تعاني كوبا حالياً من انقطاعات يومية في التيار الكهربائي وإغلاق لمعظم محطات الوقود، مما دفع نحو مليوني شخص للهجرة خلال السنوات الخمس الماضية. ولم يتبقَ في الجزيرة سوى 9.5 مليون نسمة يواجهون ظروفاً اقتصادية هي الأصعب منذ عقود، وسط إصرار حكومي على عدم المساس بالنظام السياسي.
يشير المحلل السياسي ويليام ليوغراند إلى أن تبادل بوادر حسن النية يعد استراتيجية كلاسيكية لدفع المحادثات المتعثرة. ويرى أن السماح بمرور الناقلة الروسية مقابل إطلاق سراح السجناء يمثل تقدماً ملموساً في مسار التهدئة الذي تسعى إليه أطراف دولية وإقليمية.
في سياق متصل، رصدت أقمار صناعية تحركات لناقلة أخرى تدعى 'سي هورس' كانت تحمل وقوداً روسياً في المحيط الأطلسي. وبدلاً من التوجه لكوبا، غيرت مسارها نحو فنزويلا، في مناورة فسرها خبراء بأنها جزء من حوافز اقتصادية معقدة تديرها واشنطن في المنطقة.
إذا أرادت دولة ما إرسال بعض النفط إلى كوبا الآن، فلا مانع لديّ.
برزت في الآونة الأخيرة طبقة اقتصادية جديدة في كوبا تتمثل في أكثر من 10 آلاف شركة خاصة صغيرة ومتوسطة الحجم. هذه الشركات، المعروفة باسم 'ميبايمز'، بدأت تغير وجه الاقتصاد المحلي وتخلق نخبة مالية جديدة ترتبط بمصالح وثيقة مع المؤسسة العسكرية النافذة.
يقود راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد الرئيس السابق، واجهة المفاوضات الاقتصادية مع الجانب الأمريكي. وبحكم موقعه في الذراع الاقتصادي للجيش 'جايسا'، يمتلك نفوذاً واسعاً يتيح له صياغة تفاهمات تضمن بقاء النخبة الحاكمة مع الانفتاح على الاستثمارات الخارجية.
أثارت تصريحات ساندرو كاسترو، حفيد الزعيم الراحل فيدل كاسترو، جدلاً واسعاً بعد إبدائه رغبة صريحة في التعاون مع المستثمرين الأمريكيين. ساندرو، الذي يوصف برجل الأعمال الناجح، لم يتردد في انتقاد أداء الرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل، في سابقة لم تعهدها الأوساط السياسية الكوبية.
يرى دبلوماسيون في هافانا أن انتقادات ساندرو العلنية للرئاسة قد تكون ضوءاً أخضر لمرحلة انتقالية جديدة. فواشنطن وضعت إقالة دياز كانيل كأحد الشروط غير المعلنة لاستمرار المفاوضات، وهو ما قد يمهد الطريق لنموذج اقتصادي منفتح تحت سيطرة عائلية.
يتماشى هذا المسار مع رؤية ترمب التي وصفها بـ 'الاستحواذ الودي'، حيث يهدف إلى تحويل كوبا إلى ساحة استثمارية أمريكية مع تحييد الخصوم السياسيين. ويشبه هذا النهج ما جرى في ملفات إقليمية أخرى، حيث يتم استبدال المواجهة العسكرية بالهيمنة الاقتصادية الناعمة.
تؤكد مصادر مطلعة أن النخبة الكوبية الحالية تجني أرباحاً طائلة من الانفتاح المحدود، وهي مستعدة لتوسيع هذا النطاق ليشمل الشركات الأمريكية. المقابل المطلوب هو ضمان بقاء مصالحهم التجارية والسياسية محمية، وهو ما يبدو أن واشنطن بدأت تتقبله كواقع عملي.
بينما تستمر إيران في تحدي الطموحات الأمريكية، يبحث ترمب عن انتصار دبلوماسي سريع في الكاريبي يعزز موقفه الداخلي. ويبدو أن 'صفقة النفط مقابل السجناء' هي الخطوة الأولى في طريق طويل قد ينتهي برفع الحصار التاريخي عن كوبا مقابل تغييرات هيكلية في هرم السلطة.





شارك برأيك
انفراجة مفاجئة بين واشنطن وهافانا: ناقلات نفط روسية وإطلاق سراح سجناء يمهدان لتسوية كبرى