تتجاوز الأهداف الأمريكية من التصعيد العسكري في المنطقة مجرد تقليص القدرات النووية أو العسكرية لخصومها، لتصل إلى أبعاد اقتصادية استراتيجية غير معلنة. وتتمثل هذه الأهداف في زعزعة الثقة باستقرار إمدادات الطاقة من منطقة الخليج العربي، مما يمهد الطريق أمام النفط والغاز الأمريكيين لملء الفراغ وتأمين عقود توريد طويلة الأمد.
تعتبر واشنطن زيادة صادرات الطاقة وسيلة حيوية لمواجهة العجز التجاري المزمن الذي تفاقم ليصل إلى 1.231 تريليون دولار في العام الماضي. ورغم الإجراءات الجمركية المشددة، إلا أن قطاع الطاقة ظل المحرك الأبرز الذي ساهم في كبح جماح هذا العجز عبر تحقيق فائض بترولي متزايد للعام الثاني على التوالي.
تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الصادرات البترولية الأمريكية، بما في ذلك الخام والمشتقات، بلغت قيمتها 211 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 9.7% من إجمالي الصادرات الوطنية. وعند إضافة الغاز الطبيعي والفحم والكهرباء، ترتفع القيمة الإجمالية لصادرات الوقود إلى 304 مليارات دولار، مشكلةً 14% من مجمل النشاط التصديري.
لقد نجحت الولايات المتحدة منذ عام 2020 في تحويل ميزانها التجاري للطاقة إلى فائض مستمر، مدفوعةً بطفرة إنتاج النفط الصخري. وقد مكنت هذه الوفرة واشنطن من إحلال منتجاتها محل الطاقة الروسية في الأسواق الأوروبية والآسيوية، مستفيدةً من تداعيات الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على موسكو.
وفي السياق ذاته، تفرض الولايات المتحدة عقوبات مشددة على الدول المستوردة للنفط الإيراني والفنزويلي، في خطوة تهدف بوضوح إلى إفساح المجال أمام الطاقة الأمريكية. وتستهدف هذه الاستراتيجية بشكل مباشر كبار المستهلكين في القارة الآسيوية، وعلى رأسهم الصين التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم.
وبالنظر إلى الأرقام، نجد أن صادرات النفط الأمريكي للصين شهدت تراجعاً ملحوظاً في العامين الأخيرين لصالح الخام الروسي، حيث انخفضت إلى 651 ألف برميل يومياً. هذا التراجع دفع الإدارة الأمريكية للبحث عن سبل لاستعادة حصتها السوقية في الصين لتقليص العجز التجاري البيني الذي تجاوز 200 مليار دولار.
أما في السوق الهندية، فقد حققت واشنطن اختراقاً كبيراً بتسجيل رقم قياسي لصادرات النفط بلغ 606 آلاف برميل يومياً في العام الماضي. وتأتي هذه الزيادة في إطار مساعي واشنطن لتقليل اعتماد الهند على النفط الروسي الذي يُباع بخصومات كبيرة ويتم تسويته بالعملات المحلية.
الولايات المتحدة تسعى للاستحواذ على نصيب أكبر من الواردات النفطية والغازية الصينية لتقليل العجز التجاري وتقليص اعتماد بكين على الطاقة الروسية والخليجية.
وعلى صعيد الغاز الطبيعي، تواجه الصادرات الأمريكية تحديات في السوق الهندية، حيث تراجعت الكميات المصدرة إلى 154 مليار قدم مكعب. وتسعى الولايات المتحدة جاهدة لرفع هذه الحصة، خاصة وأن العجز التجاري مع الهند يمثل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد الأمريكي بقيمة 58 مليار دولار.
وفي اليابان، التي تحتل المرتبة الخامسة عالمياً في استيراد النفط، سجلت الصادرات الأمريكية قفزة نوعية لتصل إلى 677 ألف برميل يومياً. ويأتي هذا النمو المستمر منذ عام 2021 كجزء من خطة شاملة لزيادة التبادل التجاري في قطاع الطاقة مع الحلفاء الاستراتيجيين في شرق آسيا.
وعلى الرغم من تراجع كميات الغاز المصدرة لليابان العام الماضي إلى 223 مليار قدم مكعب، إلا أن الطموح الأمريكي لا يزال قائماً لزيادة هذه النسب. وتهدف واشنطن من ذلك إلى موازنة الميزان التجاري مع طوكيو، والذي يميل لصالح الأخيرة بفارق 64 مليار دولار.
كوريا الجنوبية بدورها أصبحت وجهة رئيسية للنفط الأمريكي، حيث استقبلت رقماً غير مسبوق بلغ 705 آلاف برميل يومياً في العام الماضي. وتعكس هذه الأرقام نجاح واشنطن في تعزيز حضورها بأسواق الطاقة الآسيوية، رغم المنافسة الشديدة في قطاعي الغاز الطبيعي والفحم.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الاستراتيجية الأمريكية لا تقتصر على القوى الكبرى، بل تمتد لتشمل دولاً مثل المكسيك وكندا وتايلاند وإيطاليا. الهدف النهائي هو ضمان تدفق الطاقة الأمريكية إلى هذه الأسواق كبديل دائم ومستقر عن مصادر الطاقة التقليدية في روسيا ومنطقة الشرق الأوسط.
إن الربط بين العمليات العسكرية في المنطقة والأهداف الاقتصادية يظهر بوضوح في استهداف البنية التحتية للطاقة لدى الخصوم. فتعطيل المنشآت النفطية والغازية من خلال النزاعات المسلحة يخدم بشكل مباشر خطط واشنطن في الهيمنة على سوق الطاقة العالمي لفترات طويلة حتى بعد توقف المدافع.
في الختام، يبدو أن 'حروب الطاقة' باتت جزءاً لا يتجزأ من العقيدة السياسية الأمريكية المعاصرة، حيث يتم استخدام الضغوط العسكرية والدبلوماسية كأدوات اقتصادية. ومن خلال إضعاف المنافسين التقليديين، تسعى واشنطن لتأمين مستقبل اقتصادي يعتمد على تصدير فوائضها من النفط والغاز الصخري لتصحيح مسار ميزانها التجاري المنهك.





شارك برأيك
أهداف غير معلنة: كيف توظف واشنطن التوترات الإقليمية لتعزيز صادرات الطاقة وتقليص العجز التجاري؟