اسرائيليات

الأحد 29 مارس 2026 9:42 مساءً - بتوقيت القدس

تحول استراتيجي: قراءة إسرائيلية في صعود باكستان كوسيط بين واشنطن وطهران

تراقب الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب باهتمام بالغ تنامي الدور الباكستاني في بناء محور وساطة جانبي بين واشنطن وطهران. ويأتي هذا التحرك في ظل حاجة إسلام آباد الملحة لتأمين حدودها المضطربة، مستغلة العلاقة الشخصية المتطورة التي تربط قائد جيشها بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأشارت قراءة تحليلية نشرتها مجلة 'غلوبس' العبرية إلى أن فكرة عقد لقاءات بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين على الأراضي الباكستانية كانت تُصنف حتى وقت قريب ضمن السيناريوهات الخيالية. وأوضحت المصادر أن مركز الثقل الدبلوماسي في الشرق الأوسط، الذي انحصر لسنوات بين الدوحة والقاهرة ومسقط، بدأ يشهد تحولاً هادئاً ومؤثراً.

هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تخطيط استراتيجي بدأ قبل عدة أشهر بعيداً عن الأضواء، حيث عملت إسلام آباد على بناء بنية تحتية دبلوماسية تهدف لاستعادة الثقة مع الإدارة الأمريكية. ويسعى هذا التحرك لتجاوز سنوات من التوتر والاتهامات المتبادلة بشأن ملفات أمنية شائكة، أبرزها العلاقة مع حركة طالبان.

وتشير المصادر إلى أن باكستان نجحت في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع القيادة الإيرانية، حتى في الأوقات التي فقدت فيها دول أخرى القدرة على الوصول المباشر لطهران. وقد تجاوزت هذه الجهود الأطر السياسية التقليدية لتشمل تعاوناً اقتصادياً وتجارياً غير تقليدي، يهدف لتقريب باكستان من الدائرة الضيقة لصناع القرار في واشنطن.

وفي سياق متصل، برز اسم قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، كمهندس لهذه العلاقة الجديدة مع دونالد ترامب، حيث تطورت الروابط الشخصية بينهما بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين. هذا التقارب خلق ديناميكية غير مسبوقة، منحت باكستان قدرة الوصول المباشر إلى قطبي صراع معاديين لبعضهما البعض بشكل جذري.

ومع اشتداد الأزمات الإقليمية وإغلاق بعض القنوات التقليدية، أثبتت إسلام آباد أنها لم تعد مجرد لاعب ثانوي في الساحة الدولية. فقد مكنتها خبرتها العسكرية وثقلها كقوة نووية من فهم مخاطر الحسابات الخاطئة في الميدان، مما جعلها وسيطاً مقبولاً لدى الأطراف المتنازعة التي تبحث عن مخارج آمنة.

وتنظر طهران إلى باكستان كطرف موثوق نسبياً، خاصة وأنها لا تستضيف قواعد عسكرية أمريكية دائمة على أراضيها، وهو ما يقلل من هواجس الاختراق الأمني. وفي المقابل، ترى واشنطن في باكستان عاملاً مستقراً قادراً على إيصال الرسائل الحساسة إلى كبار المسؤولين الإيرانيين دون تعقيدات بيروقراطية.

المصلحة الأمنية الباكستانية تعد المحرك الأساسي لهذا الدور، حيث تشترك مع إيران في حدود طويلة تتسم بالهشاشة الأمنية، لا سيما في إقليم بلوشستان. وتخشى إسلام آباد من أن أي تصعيد إقليمي واسع قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع على حدودها، مما يهدد استقرارها الداخلي بشكل مباشر.

وقد تحولت العلاقة بين عاصم منير وترامب من مجرد قناة رمزية إلى أداة عمل حقيقية وفعالة تجري بالتنسيق مع البيت الأبيض. هذه القدرة على التواصل المباشر تمنح الوساطة الباكستانية سرعة فائقة في نقل الرسائل وفحص جدوى المبادرات قبل طرحها بشكل رسمي في المحافل الدولية.

ويرى المحللون أن باكستان تحركت بدافع الضرورة القصوى، حيث إن تحول الحدود المشتركة مع إيران إلى جبهة مواجهة نشطة يمثل تهديداً وجودياً. لذا، فإن منع التدهور العسكري يمثل نقطة التقاء استراتيجية بين مصالح إسلام آباد وطهران، وهو ما يعزز فرص نجاح هذه الوساطة الناشئة.

الاستراتيجية الباكستانية شملت أيضاً محاولات لجذب اهتمام الإدارة الأمريكية عبر مشاريع اقتصادية في مجالات التكنولوجيا الحديثة والعملات المشفرة. كما تضمنت هذه التحركات فتح آفاق للاستثمار الأمريكي في مشاريع عقارية كبرى، في محاولة لربط المصالح السياسية بالمكاسب الاقتصادية المباشرة.

وعلى الرغم من المنافسة مع وسطاء إقليميين تقليديين، إلا أن الثقل العسكري لباكستان يمنحها ميزة إضافية في التعامل مع الملفات الأمنية المعقدة. فالدولة التي واجهت لسنوات صعوبة في تسويق نفسها كوسيط عالمي، تجد نفسها اليوم في قلب الحدث بفضل تحولات الجيوسياسة الدولية.

وتؤكد التقارير أن النجاح الباكستاني في هذا الملف سيعيد صياغة علاقاتها مع القوى العظمى، خاصة في ظل المخاوف الأمريكية من ارتماء إسلام آباد في أحضان الصين. لذا، فإن الوساطة بين واشنطن وطهران تمثل 'طوق نجاة' دبلوماسي يعيد التوازن للسياسة الخارجية الباكستانية.

ختاماً، يبقى الاختبار الحقيقي لهذه الوساطة في مدى قدرة الأطراف على تقديم تنازلات ملموسة، بعيداً عن لغة التهديد. ومع ذلك، فإن مجرد وجود قناة اتصال فاعلة عبر إسلام آباد يعد تطوراً جوهرياً قد يغير قواعد اللعبة في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا خلال المرحلة المقبلة.

دلالات

شارك برأيك

تحول استراتيجي: قراءة إسرائيلية في صعود باكستان كوسيط بين واشنطن وطهران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.