لم يكن "الدفتر" في دكان الحارة قديمًا رمز فقر بقدر ما كان شاهدًا على بساطة الحياة وتضامن الناس. كان البقال يعرف زبائنه واحدًا واحدًا، ويسجّل الدَّين الصغير إلى آخر الشهر، حين تُقبض الرواتب وتُصفّى الحسابات. اليوم، عاد الدفتر... لكن ليس كذكرى دافئة، بل كضرورة قاسية فرضها واقع اقتصادي متآكل.
في شوارع المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية، لم يعد الشراء النقدي هو القاعدة، بل الاستدانة اليومية لتأمين الأساسيات: خبز، سكر، زيت، حليب للأطفال. لم يعد "الدفتر" استثناءً للأيام الصعبة، بل تحوّل إلى نظام معيشة دائم.
هذه العودة الصامتة تعكس ما هو أعمق من ضيق مؤقت، فهي مؤشر على تراجع القدرة الشرائية للأسر، واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة. الرواتب التي كانت تكفي شهرًا أصبحت تُستنزف في أسبوع، ومن لا يملك دخلًا ثابتًا يعيش على القلق والانتظار.
اقتصاد البقالة والدفتر ليس مجرد قصة دَين صغير، بل صورة عن اقتصاد كامل يعيش على الترقيع. فحين تعجز السياسات عن حماية الناس من التضخم وتراجع فرص العمل، يتحوّل المجتمع نفسه إلى شبكة أمان بديلة، حيث يسند البقال الزبون، وتسند العائلة بعضها البعض، في غياب حلول شاملة.
لكن لهذه الشبكة غير الرسمية ثمنًا ثقيلًا.
الديون تتراكم، والكرامة تُستنزف بصمت، والقلق يتحوّل إلى رفيق يومي للأسر. كثيرون باتوا يختصرون مشترياتهم إلى الحد الأدنى، ويؤجلون احتياجات أساسية، فقط لتقليل سطور جديدة في الدفتر.
الأخطر أن هذا الواقع يطبع جيلًا كاملًا على ثقافة البقاء لا الحياة. الأطفال الذين يكبرون وهم يسمعون عبارة "اكتبها عالدفتر"يتعلّمون مبكرًا أن الاستقرار حلم بعيد، وأن المستقبل مؤجّل إلى أجل غير مسمى.
ورغم كل ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في صورة يأس فقط.
عودة الدفتر تكشف أيضًا عن تضامن اجتماعي ما زال حيًا، وعن رغبة الناس في مساعدة بعضهم البعض رغم الضيق. لكنها في الوقت نفسه تفضح عجز السياسات العامة عن القيام بدورها الأساسي: تأمين حياة كريمة وحد أدنى من الأمان الاقتصادي. الأمل النقدي هنا لا يعني تجاهل الألم، بل تحويله إلى سؤال سياسي واقتصادي واضح: إلى متى سيبقى التضامن الشعبي بديلًا عن الحماية الاجتماعية؟ وإلى متى سيُترك الناس يديرون أزماتهم الصغيرة وحدهم؟ الخروج من )اقتصاد الدفتر( لا يكون بالوعظ على الادخار ولا بتحميل الأسر مسؤولية ما لا تملك تغييره، بل عبر سياسات تخلق فرص عمل حقيقية، وتحد من التضخم، وتدعم الفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا من يعمل في القطاع غير المنظم. فالناس لا تريد معجزات، بل تريد دخلًا يكفي، وسوق عمل منصفًا، ودولة تحميهم في الأوقات الصعبة.
اقتصاد البقالة والدفتر قد يكون دليل صمود اجتماعي، لكنه في جوهره جرس إنذار اقتصادي.





شارك برأيك
اقتصاد البقالة والدفتر