أقلام وأراء

الخميس 26 مارس 2026 3:03 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب النفسية وصناعة الهزيمة: كيف يقرأ الغرب العقل العربي؟

يكشف مايلز كوبلاند في كتابه الشهير 'لعبة الأمم' عن استراتيجية استخباراتية عميقة تعتمد على المحاكاة النفسية للقادة الأعداء. حيث يتم إخضاع أفراد لظروف معيشية ونفسية مطابقة لظروف الخصم للتنبؤ بردود أفعاله تجاه الأزمات المختلفة.

تتجلى هذه الاستراتيجية في ادعاء كوبلاند بأنه اتخذ قرار تأميم قناة السويس في مخيلته قبل أن يعلنه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1956. هذا النوع من الدراسة الدقيقة للنفسية العربية يمنح الغرب تفوقاً في إدارة الصراعات وتحقيق المآرب السياسية.

بعد نكسة عام 1967، واجهت الشعوب العربية صدمة قاسية بفقدان القدس وسيناء والجولان، بعدما غرق الإعلام في ترويج انتصارات وهمية. وبرزت حينها محاولات لإعادة تعريف الهزيمة، حيث اعتبر النظام أن بقاء القيادة السياسية هو الانتصار الحقيقي.

ساهم الكاتب محمد حسنين هيكل في هذا التوجه عبر التقليل من شأن الخسائر المادية، واصفاً سيناء بأنها مجرد 'حفنة رمال'. كان الهدف من هذا الخطاب هو الحفاظ على التماسك النفسي للجماهير، لكنه في المقابل غيّب الوعي بحجم الكارثة العسكرية.

إن الميل العربي للتمسك بمشاعر النصر حتى في أحلك الظروف الحضارية يمثل ثغرة يستغلها الأعداء بذكاء. فهم يمنحون الشعوب جرعات من 'النصر الإعلامي' لتخدير الوعي، بينما يستعدون لفرض واقع جديد على الأرض يسلب المزيد من المقدرات.

يبرز التساؤل حول مدى استسلامنا لفكرة أن الصراع مع القوى الكبرى هو صراع إعلامي في المقام الأول. فنحن ننتظر دائماً خطاباً خارقاً يكسر الحاجز النفسي، متجاهلين ضرورة العمل الواقعي على الأرض وتغيير موازين القوى الحقيقية.

بالعودة إلى السيرة النبوية، نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصف ما حدث في غزوة أحد بالانتصار رغم التفوق الأولي للمسلمين. بل تعامل مع النتائج بواقعية وشجاعة، وخرج بجيشه إلى 'حمراء الأسد' لإثبات أن المعركة جولات مستمرة.

هذا الهدي النبوي يعلمنا ضرورة الاعتراف بالقصور وعدم تزييف الحقائق لإرضاء العواطف، لأن بناء الأمم يتطلب إخلاصاً في مواجهة الذات. إن الخلط بين السياسة والأخلاق أدى أحياناً إلى تبرير تجاوزات الأنظمة بحجة الضرورات الاستراتيجية.

يحرص الغرب في صراعه معنا على ترك مساحة للزهو بالنفس، كي لا تتحول الهزيمة الشاملة إلى طاقة انفجارية غير محكومة. وقد ظهر ذلك جلياً في الطريقة التي أُديرت بها الأزمات الكبرى في العراق وغيرها من الدول العربية.

إن عدم القدرة على مراجعة المواقف القديمة وتلمس مواضع الخلل يمنعنا من تغيير موقعنا الحضاري المتعثر. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالواقع كما هو، وليس كما نتمنى أن نراه عبر شاشات الإعلام الموجه.

تعاني النخب السياسية أحياناً من الرغبة في القفز المباشر إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع دون تأهيل سياسي حقيقي. فالنهضة تتطلب تفكيراً وتدقيقاً وعملاً جاداً وتضحية، وليس مجرد الظهور بمظهر الأفضل بين السيئين.

رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مؤيداً بنصر إلهي، إلا أنه لم يغفل يوماً عن الأخذ بالأسباب الدنيوية والمشورة. ومن العجب أن يطالب البعض اليوم بنصر إلهي دون خوض غمار العمل والبحث العلمي والالتزام بمسيرة البناء.

يجب أن تدرك الأمة أن الغرب لا يمكنه مسالمة جزء منها بينما يلتهم جزءاً آخر في ذات التوقيت. فالتاريخ يعيد نفسه، وما حدث في الشام قديماً على يد التتار تكرر في مصر، مما يستوجب وحدة المصير والوعي.

ختاماً، يبقى التحدي الأكبر هو التحرر من فكرة أن كل ما يريحنا نفسياً هو بالضرورة الصواب المطلق. إن مواجهة الحقائق المرة هي الخطوة الأولى نحو صناعة نصر حقيقي لا تهزه رياح الحرب النفسية أو تزييف الخطابات السياسية.

دلالات

شارك برأيك

الحرب النفسية وصناعة الهزيمة: كيف يقرأ الغرب العقل العربي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.