أقلام وأراء

الأربعاء 25 مارس 2026 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

صرخة جوسيان


جريمة قتل الشابة جوسيان جحا على يد زوجها تفتح الباب أمام خطر حقيقي لا يهدد حياة النساء فقط، بل يهدد منظومة المجتمع وقيمه وتكاتفه وتضامنه، خاصةً ونحن أمام جريمة مع سبق الإصرار، حسبما جاء على لسان المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية. فليست حادثة وفاة من دون قصد، بل هي قتل وخنق لا يصدقهما عقل، ومحاولة تضليل للعدالة عبر تزوير مسرح الجريمة، لكي يغطي الجاني فعلته، متهمًا الضحية بأنها قامت بشنق نفسها.
حادثة هزّت القلوب والضمائر، وجريمة صدمت المجتمع، فخرجت الأصوات المنددة والمستنكرة، ولكنها، كما هي العادة، ما أن تمر بضعة أيام حتى تهدأ وتخفت وتغيب تلك الأصوات، وتدخل مثل هذه القضايا طيّ النسيان، لتعود وتتجدد مع حادثة جديدة قد تحدث في أي لحظة وأي وقت، طالما بقيت طرق المعالجة تتباطأ، خاصةً ونحن نتحدث عن القضايا المرتبطة بالقانون الكنسي الذي يمنع الطلاق، ويضع الكثير من القيود عليه، ويحرّمه في مواقف عديدة. وهذا ما دفع جوسيان لتكون الضحية التي ماتت لأنها لم تستطع الحصول على الطلاق، ولأنها أيضًا، كبقية الفتيات في بلادي، تعيش واقعًا اجتماعيًا يضغط على المرأة كي تعيش مع زوجها، وإن كان بيت الزوجية جحيمًا.
هذا المجتمع الذي لم يستطع حماية جوسيان من الموت، ولم يمنحها الحق في الحياة، هو اليوم مطالب بإنصافها وإنصاف الكثيرات من أمثالها. وهنا ليس البحث في إطار قانوني وإعداد لوائح وتشريعات—فهي موجودة بالفعل—بل إن الأمر يتعدى ذلك، بدءًا من التربية والتنشئة والمدرسة والجامعة، وصولًا إلى الزواج والأمومة.
ما خلّفته هذه الحادثة من ورائها طفلٌ في الأشهر الأولى، سيربو يتيمَ الأم طيلة عمره، وفاقدًا لوالده الذي سيمكث طويلًا في السجن. فما ذنب هذا الطفل الذي سيعيش عمره داخل دهاليز حالة نفسية قد تؤثر على سلوكه، وربما على حياته بكل تأكيد؟ وبأي ذنب تُقتل فتاة في بداية العقد الثاني من عمرها على يد زوج قاتل، لم يفكر قط في أبعاد فعلته؟ ولا أدري إلى ماذا كان يرتهن عقله في تلك اللحظة البشعة.
وفي زحمة الموت، حيث يُقتل الفلسطيني على يد الاحتلال وقطعان مستوطنيه، تأتي هذه القضية لتثير في النفس مشاعر الغضب، وتستنزف المزيد من مشاعر الحزن الكامن في الأعماق. فلوقعها حزنٌ خاص، لأنها تهدد سلامة المجتمع برمّته. وعليه، وجب وضع الحلول القانونية والتربوية والسلوكية في البيت والمدرسة والطريق والعمل، لكي لا تتكرر مثل هذه الحوادث التي يندى لها الجبين.
أنا جوسيان، ابنة الرابعة والعشرين من العمر، أمٌّ لطفلٍ لا يزال يحبو على أرض الحياة، قُتلتُ بلا ذنب. لستُ رقمًا عابراً، ولا حكاية تُروى ثم تُنسى مع مرور الأيام، أنا امرأةٌ كانت تحلم بحياةٍ آمنة، ببيتٍ يحفظ كرامتها، وبغدٍ يكبر فيه طفلها ليعيش فصول حياته. صرختُ كثيرًا، ولم يسمعني أحد. طلبتُ النجاة، فلم أجد بابًا يُفتح. كنتُ أبحث عن حياة آمنة مستقرة، فكان الموت أقرب إليّ من كل شيء. أما وقد رحلت إلى ملكوت السماوات فأوصيكم بأن تحموا بناتكم، قبل أن يتحول الصمت إلى جريمة، وقبل أن تُولد صرخاتٌ جديدة تشبه صرختي.

دلالات

شارك برأيك

صرخة جوسيان

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.