تشهد المنطقة العربية محاولات حثيثة لإعادة صياغة الرواية السياسية للأزمات الراهنة، حيث يتم التركيز على طرف واحد لخدمة أجندات محددة. إن الخطر الإيراني على دول الخليج والمنطقة العربية حقيقة ملموسة لا تقبل الجدل، وقد تجسدت في الصواريخ والتدخلات السافرة في الشؤون الداخلية لعدة دول.
ومع ذلك، فإن تحويل هذا الخطر الحقيقي إلى ذريعة لتبرئة إسرائيل من جرائمها هو تزوير سياسي وأخلاقي لا يمكن قبوله. إن تصوير الاحتلال كضحية في هذا الصراع يتنافى مع حقائق التاريخ والواقع الذي يثبت أن إسرائيل هي المحرك الأول للحرائق في الشرق الأوسط.
يلاحظ وجود حالة من الارتباك لدى البعض عند الحديث عن المسؤولية الإسرائيلية، فبينما يرفعون أصواتهم بإدانة طهران، يتلعثمون حين يتعلق الأمر بتل أبيب. هذا التناقض يكشف عن رغبة في توجيه الأنظار نحو الصواريخ الإيرانية فقط، مع تجاهل الضربات الإسرائيلية الاستباقية والتوسيع المتعمد لرقعة الحرب.
إن الذاكرة العربية تتعرض لعملية تثقيب متعمدة، حيث يُراد للشعوب أن تنسى الشرارة الأولى التي تشعلها إسرائيل دائماً. يتم الخلط عمداً بين تفسير الأحداث وتبريرها، فرفض محو الدور الإسرائيلي التخريبي لا يعني بالضرورة الاصطفاف مع المشروع الإيراني أو الدفاع عنه.
المناخ السياسي الحالي يميل تدريجياً نحو تطبيع الصمت عن الانتهاكات الإسرائيلية، وهو ما يمهد الطريق لقبول الاحتلال كشريك في المنطقة. هذا المسار يمثل محاولة خطيرة لإعادة تشكيل الوعي العربي ليرى خطراً واحداً ويغض الطرف عن الخطر الآخر الذي يهدد وجوده.
على الصعيد الميداني، تتصاعد حدة المواجهة العسكرية منذ نهاية فبراير الماضي، حيث توعدت القيادات العسكرية الإيرانية بملاحقة المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين. هذا التصعيد لم يقتصر على التصريحات، بل شمل استهداف منشآت حيوية مثل مصفاة حيفا ومحطات الرادارات الإسرائيلية.
استخدمت القوى المتحالفة مع إيران تكتيكات هجومية مركبة لإشغال منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، مما سمح بوصول صواريخ عالية السرعة إلى أهدافها. وفي ظل هذا الضغط العسكري، تواصل الرقابة الإسرائيلية فرض تعتيم كامل على حجم الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالجبهة الداخلية.
المطلوب من العربي اليوم أن يحتفظ بذاكرة حادة مع إيران، وذاكرة مثقوبة مع إسرائيل، وكأن الأزمات تبدأ دائماً من رد الفعل لا من الشرارة الأولى.
الاختراق الأمني الأخير المتمثل في اعتقال جندي من منظومة القبة الحديدية بتهمة التجسس لصالح طهران يعكس عمق الصراع الاستخباراتي. الجندي راز كوهين نقل معلومات أمنية حساسة مقابل مبالغ مالية، مما يضع كفاءة المنظومات الدفاعية الإسرائيلية تحت مجهر التشكيك.
إن محاولات تجنيد العملاء داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عبر منصات التواصل الاجتماعي باتت تشكل قلقاً كبيراً للأجهزة الأمنية في تل أبيب. هذا الاختراق يثبت أن المواجهة انتقلت من الميدان العسكري المباشر إلى حرب العقول والمعلومات الاستخباراتية المعقدة.
في المقابل، يرى مراقبون أن مسارات التطبيع التي جرت في السنوات الأخيرة لم تأخذ بعين الاعتبار نبض الشعوب العربية الرافضة للاحتلال. ولهذا السبب، يظهر الصمت الرسمي تجاه الاعتداءات الإسرائيلية كفجوة عميقة تفصل بين الأنظمة وتطلعات الشارع الذي لا يزال يرى في إسرائيل العدو الأول.
إن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في الحفاظ على توازن الرؤية السياسية دون الانزلاق نحو تبرير أفعال أي طرف على حساب الآخر. فالمنطقة العربية تقع بين فكي كماشة، ولا يمكن مواجهة أحد الأخطار عبر الارتماء في أحضان الخطر الآخر الذي لا يقل عنه فتكاً.
الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تعتمد على استغلال الفوبيا من إيران لتوسيع نفوذها في العواصم العربية تحت غطاء التحالفات الأمنية. هذه الاستراتيجية تهدف في النهاية إلى تصفية القضية الفلسطينية وتحويل إسرائيل إلى قوة مهيمنة ومقبولة في النسيج الإقليمي.
يجب على النخب الفكرية والسياسية العربية التصدي لمحاولات تزييف الوعي التي تسعى لتصوير إسرائيل كحليف محتمل ضد التمدد الإيراني. إن العداء لإيران لا يجب أن يكون مبرراً للصمت عن المجازر التي ترتكب في غزة والضفة الغربية أو التوسع الاستيطاني المستمر.
ختاماً إن استقرار المنطقة لن يتحقق عبر استبدال خطر بآخر، بل عبر رؤية عربية موحدة ترفض كافة أشكال التدخل الخارجي والاحتلال. إن الوعي العربي الحقيقي هو الذي يدرك حجم التهديدات المحيطة به دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والسياسية تجاه قضاياه المركزية.





شارك برأيك
بين التهديد الإيراني والعدوان الإسرائيلي: محاولات إعادة تشكيل الوعي العربي