لقد مر أربعون يوماً على رحيل عبد الناصر صالح الأخ الكبير، عمدة الشعر الفلسطيني كما كان يحب أن ألقبه، لقد عرفت أبا خالد متأخراً منذ أن أقمت في رام الله عام ٢٠١٦، والتحقت بوزارة الثقافة التي شغل فيها منصب وكيل الوزارة، وكان لي شرف العمل معه ما تبقى له من أيام قبل تقاعده، وأذكر حين وقفت على باب مكتبه، فقال لي ماذا يقرب لك المناضل الشهيد محمد أبو النصر، فقلت له خالي، فركض علي واحتضنني، منذ ذلك الحين ضلت علاقتنا قوية، ثم بعد ذلك، تشرفت أن أزامله الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والأدباء بعد إنتخابنا عام ٢٠١٩، وضلت مواقفنا ومعاركنا ومطالبنا واحدة، بالصدفة سمعت أبا خالد يتحدث عن والده المناضل الكبير محمد علي الصالح، شوقني ذلك لاقرأ عنه، وكتبت مقال نُشر في جريدة القدس عن حياته، فقد كان أديباً وشاعراً وسياسياً محنكاً، وأحد رموز النضال فترة الثلاثينات، لذلك لم يكن عبد الناصر بعيداً عن ذلك بل هو امتداد لتلك الأسرة العريقة الكرمية المناضلة، ورغم اشتداد المرض على عبد الناصر في السنوات الأخيرة ظل عطائه متدفقاً وغزير الشعر، وقد نثر الكثير منه لأجل غزة، وهو يذرف الدموع، كان يتصل بي دوماً يطمئن على ابنتي القابعة تحت نيران الحرب، ويسأل عن عائلتي هناك، حمل هم غزة في كتاباته، وأحبها كما أحبته، فكتب:
"تجيء القذائف وتمضي القذائف
ولا أحد في حدائق غزة خائف،
يقول أب لابنه لا تصدق
بأن المسيرة آلت إلى الصمت والموت زاحف
فخذ ساعدي سيفك الأبدي
وراية نصرك في مهرجان العواصف
ولا تحني رأسك للجوع
وأسلك طريق النبيين في الصبر
تسقط كل المخاوف...."
كانت آخر قصيدة رثى فيها غزة، التي تركت في قلبه جرح غائر، رحل عبد الناصر صالح تاركاً وراءه إرثاً كبيراً من الشعر وبحوره، ليبقى نجمة لامعة في سماء البلاد الجريحة، طولكرم حزينة بل كل المدن تبكيه، رحل ونحن بأمسّ الحاجة لقلمه السيال كأنهار فلسطين، ولصوته الوطني، الذي نادى لآخر لحظة بوحدة الكلمة، ليغيب جسداً ويبقى حاضراً بفكره وأدبه الذي أغنى تراث فلسطين.





شارك برأيك
في أربعين عبد الناصر صالح