أكدت مصادر صحفية أمريكية أن السياسات والخطابات التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب وأعضاء بارزون في الحزب الجمهوري لا تقتصر مخاطرها على المجتمعات المسلمة داخل الولايات المتحدة، بل تمتد لتضع الأمن القومي الأمريكي على المحك. وأوضحت صحيفة 'نيويورك تايمز' في افتتاحية لها أن تصاعد موجة الكراهية الممنهجة ضد المسلمين تتطلب موقفاً حازماً للتبرؤ منها، مشيرة إلى التناقض الصارخ في ادعاءات الإدارة الحالية بحماية الحريات الدينية.
وذكرت الصحيفة أن إدارة ترامب تسعى لتصوير نفسها كحامية للحقوق الدينية من خلال إنشاء لجان متخصصة وزيادة تمويل المدارس الدينية، إلا أن هذه الجهود تستثني المسلمين بشكل واضح. فبينما يتم تقديم تسهيلات لمعتقدات أخرى، يواجه المسلمون خطاباً يتسم بالعداء الصريح، حيث سبق لترامب أن صرح علانية بقوله 'أعتقد أن الإسلام يكرهنا'، وهو ما انعكس على سياساته منذ حملته الانتخابية الأولى.
وتطرقت المصادر إلى سلسلة من التصريحات 'البغيضة' الصادرة عن قيادات جمهورية، من بينها وصف السناتور توبي توبيرفيل للإسلام بأنه 'طائفة ضالة' وليس ديناً. كما برزت مواقف متطرفة من النائب راندي فاين الذي دعا صراحة إلى ترحيل المهاجرين المسلمين وسحب الجنسية منهم، والنائب آندي أوغليس الذي اعتبر أنه لا مكان للمسلمين في النسيج المجتمعي الأمريكي، مما يعزز حالة الانقسام.
ولم يسلم السياسيون المسلمون في الكونغرس من استهداف ترامب المباشر، حيث وصف النائبة إلهان عمر بـ 'القمامة'، وطالب بوقف استقبال المهاجرين الذين وصفهم بأوصاف تحط من كرامتهم الإنسانية. هذا النمط من الاستهداف يمتد ليشمل الجاليات الصومالية والأفغانية، حيث يتم تشويه سمعتهم بشكل جماعي بناءً على حوادث فردية، مما يؤدي إلى ممارسات قمعية وعنف ميداني ضد المدنيين.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا العداء يترجم عملياً إلى تشريعات وقوانين تستهدف تقييد حياة المسلمين بناءً على مخاوف غير منطقية من 'الشريعة الإسلامية'. ففي ولاية تكساس، وقع الحاكم غريغ أبوت قوانين تمنع ما أسماه 'مجمعات الشريعة'، وهي ادعاءات وصفتها الصحيفة بالسخيفة والكاذبة، مؤكدة أن المسلمين الأمريكيين ملتزمون بالقانون ولا يسعون لفرض معتقداتهم على المنظومة التشريعية للدولة.
واعتبر التحليل أن هذه التحركات التشريعية في ولايات مثل تكساس وفلوريدا تحاكي القوانين المعادية للكاثوليكية التي سادت في قرون مضت، وتهدف بالأساس إلى إيجاد 'كبش فداء' سياسي. وشددت الصحيفة على أن ملايين المسلمين الأمريكيين هم جزء لا يتجزأ من المجتمع، يخدمون في الجيش ويدفعون الضرائب، وكثير منهم اختار الولايات المتحدة تحديداً بسبب وعود الحماية الدستورية لحرية المعتقد.
ونقلت الصحيفة شهادات لمواطنين مسلمين يعيشون حالة من القلق الدائم، حيث يخشى البعض دخول المساجد أو إظهار هويتهم الدينية في الأماكن العامة. وقالت منى كفيل، مديرة منظمة خدمات أسرية في تكساس إن الكثيرين تركوا أوطانهم بحثاً عن الأمان في بلد ظنوا أنه يحترم التعددية، لكن الخوف عاد ليطارد حياتهم اليومية بسبب الخطاب السياسي التحريضي.
ترامب وحزبه الجمهوري غير مهتمين بحماية الحقوق الدينية للمسلمين، بل يظهرون عداءً صريحاً للإسلام يهدد تماسك المجتمع ومصالح البلاد الخارجية.
ويرى مراقبون أن احتقار ترامب للمسلمين يندرج ضمن نمط أوسع من التعصب يشمل اللاتينيين والمتحولين جنسياً، وهو ما أدى لارتفاع ملحوظ في جرائم الكراهية وفق بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي. ورغم ادعاءات الإدارة بمكافحة معاداة السامية، إلا أن الصحيفة لفتت إلى تحالف ترامب مع شخصيات تروج للكراهية ضد اليهود أنفسهم، مما يكشف عن ازدواجية في المعايير السياسية.
وفي سياق المقارنة، أوضحت الصحيفة أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين لا يعد معاداة للسامية، تماماً كما أن إدانة التطرف العنيف لا تعني استهداف دين بأكمله. وأكدت أن المبدأ الأمريكي الراسخ يجب أن يقوم على محاسبة الأفراد بناءً على سلوكهم الشخصي وليس على هويتهم الدينية أو العرقية، وهو ما يتجاهله الخطاب الجمهوري الحالي.
وحذرت 'نيويورك تايمز' من أن أخطر تداعيات 'الإسلاموفوبيا الجديدة' تكمن في إضرارها بالمصالح الاستراتيجية لواشنطن، خاصة في ظل التوترات مع إيران. فالتصريحات المعادية للإسلام تعطي انطباعاً بأن أي صراع سياسي أو عسكري هو 'حرب ضد الدين'، مما يعقد الجهود الدبلوماسية ويؤلب الرأي العام العالمي ضد الولايات المتحدة في الدول ذات الأغلبية المسلمة.
كما نبه التقرير إلى أن هذا التعصب يضعف مكانة أمريكا لدى شركائها الاستراتيجيين مثل السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة، حيث يجد هؤلاء الحلفاء صعوبة في التعامل مع إدارة تزدري معتقدات شعوبهم. إن تقويض هذه العلاقات يصب في مصلحة القوى المنافسة ويقلص من نفوذ واشنطن في منطقة الشرق الأوسط الحيوية.
واستذكرت الصحيفة نهج الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، الذي ورغم الانتقادات لسياساته، حرص على زيارة مسجد بعد أيام قليلة من هجمات 11 سبتمبر للتأكيد على أن الإسلام دين سلام. بوش وقف حينها مع القادة المسلمين ليعلن أن الإرهاب لا يمثل الدين الذي يجلب الراحة لمليار إنسان، وهو موقف يتناقض كلياً مع نهج ترامب التصادمي.
وخلصت الافتتاحية إلى أن الهجمات التي يشنها ترامب وحلفاؤه ضد المسلمين 'مخزية ومليئة بالأكاذيب'، وتستوجب إدانة وطنية شاملة تتجاوز الانتماءات الحزبية. فالحفاظ على القيم الدستورية الأمريكية يتطلب حماية جميع المواطنين بغض النظر عن عقيدتهم، لأن التفريط في حقوق فئة واحدة يمهد الطريق لتقويض حقوق الجميع.
إن استمرار هذا النهج التحريضي لا يهدد فقط السلم الأهلي داخل الولايات المتحدة، بل يمنح الجماعات المتطرفة ذريعة لتعزيز روايتها حول 'عداء الغرب للإسلام'. وبناءً عليه، فإن مواجهة هذا الخطاب تعد ضرورة أمنية ملحة لحماية صورة أمريكا ومصالحها الحيوية في نظام عالمي يزداد تعقيداً.





شارك برأيك
نيويورك تايمز: عداء ترامب والجمهوريين للمسلمين يقوض الأمن القومي الأمريكي