أقلام وأراء

الخميس 19 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

"مولانا" كمرآة للتحول: من انتحال الهوية والواقع إلى الشرعية المجتمعية


 

تطرح الأعمال الدرامية، مثل مسلسل "مولانا"، أسئلة تتجاوز حدود الدراما وتلامس جوهر الواقع السياسي والاجتماعي. فليست قصة "جابر" الذي يتحول إلى "مولانا" مجرد حكاية فردية غير واقعية، بل هي بنية رمزية يمكن إسقاطها على تحولات السلطة والشرعية في الوقت الراهن.

وبناءا على قراءة استنباطية، يمكن النظر إلى شخصيات وأماكن العمل باعتبارها استعارات مكثفة لواقع يتراوح بين انهيار الأنظمة القديمة وبروز أنماط جديدة من السلطة. حيث نجد أولاً انتحال الصفة وإشكالية الشرعية، وهو ما يشكل نقطة الانطلاق في النسق السردي، وهي في جوهرها تمثل فعلًا غير مشروع في ضوء القانون. غير أن هذا الفعل سرعان ما ينتج واقعاً جديداً، حيث يتحول المنتحل إلى مرجعية روحية واجتماعية. كما أن العمل يكشف ثنائية مركزية: الظاهر مقابل الباطن. فــــ"مولانا" في ظاهره رجل صالح، لكنه في باطنه يحمل سراً قد يهدم كل شيء. وبالتالي تبرز الإشكالية الاساسية من أنه هل تستمد هذه الشرعية من الأصل القانوني أم من القبول الاجتماعي والنتائج العملية؟ الأمر الذي يعكس واقعاً سياسياً تعيشه مجتمعات عديدة، حيث قد تنشأ سلطات بحكم الأمر الواقع، وتفرض نفسها من خلال قدرتها على إدارة المجتمع، لا من خلال مصدرها القانوني والشرعية المجتمعية. 

وثانيا نجد أن "مولانا" كرمز للسلطة الجديدة يمثل نموذجاً يبنى تدريجياً على الثقة الشعبية، حتى وإن كانت بدايتها قائمة على الزيف والتضليل. وإذا ما أسقطنا هذا النموذج على الواقع، يمكن قراءة “مولانا” بوصفه تجسيداً لنمط من السلطة الجديدة التي تسعى إلى إعادة إنتاج الشرعية عبر تقديم الخدمات وبث الأمل، بدلاً من الاعتماد على أدوات السيطرة التقليدية. وفي الحقيقة تفتقد كل هذه الأدوات الى الشرعية القانونية والوطنية وتبقى هذه الشرعية واهية، لأنها قائمة على سردية قابلة للانكشاف في أي لحظة.

في المقابل نجد أن الثكنة العسكرية كرمز للسلطة المعاد إنتاجها عبر أدوات الهيمنة والقوة. وهو نموذج للدولة التي تكرس سلطتها من أعلى الهرم، دون الحاجة إلى الشرعية المجتمعية النابعة من الشعب. وبين هذين النموذجين، يتجسد الصراع بين سلطتين: سلطة القوة وسلطة القبول.

واخيرا يبرز أن "العادلية" ترمز الى الوطن المتمثل بالأرض والشعب والتاريخ والجغرافيا والحاضر والماضي والمستقبل المنشود بعيدا عن  الزيف والتضليل أو القمع وبهذا المعنى، تعكس هي ذلك الوعي المجتمعي الذي يصر على مساءلة مصدر الشرعية، لا الاكتفاء بنتائجها.

وبين الأنظمة القديمة، والسلطة الجديدة، وبين القبول والشك، يتشكل مصير الجماعة: إما أن تتحول هذه السردية إلى واقع راسخ، أو تنكشف عند أول مواجهة مع الحقيقة، ليبدأ البحث من جديد، لا عن سلطة تقنع، بل عن حقيقة تؤسس نابعة من الشرعية المجتمعية التاريخية.

دلالات

شارك برأيك

"مولانا" كمرآة للتحول: من انتحال الهوية والواقع إلى الشرعية المجتمعية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.