صعّد جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد) من وتيرة عملياته الرقمية الموجهة نحو الداخل الإيراني، مستخدماً منصات التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية لتجنيد العملاء. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات العسكرية، حيث يبث الجهاز رسائل تحفيزية تدعو المواطنين الإيرانيين للانتفاض وتغيير واقعهم السياسي عبر التعاون الاستخباراتي.
وتعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة على الانفتاح الرقمي المباشر، حيث تم تدشين قناة رسمية باللغة الفارسية على تطبيق تلغرام أواخر العام الماضي. وترتبط هذه القناة بشكل مباشر بالموقع الرسمي للموساد، مما يضفي صبغة رسمية على محاولات التجنيد التي تشمل أيضاً منصات إنستغرام ولينكد-إن وفيسبوك بمختلف اللغات.
في المقابل، أعلنت السلطات الإيرانية عن تفكيك شبكات تجسس مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي في مناطق متفرقة من البلاد، لا سيما في الشمال الغربي. وأكدت مصادر قضائية اعتقال ما لا يقل عن 20 شخصاً في محافظة أذربيجان الغربية، وجهت إليهم تهم نقل معلومات حساسة حول مواقع عسكرية وأمنية للعدو.
وأفادت مصادر محلية بأن الحملة الأمنية الإيرانية لم تقتصر على المحافظات الحدودية، بل شملت مداهمات واسعة في عمق المدن الكبرى. وأسفرت هذه العمليات عن احتجاز مئات المشتبه بهم بتهمة التخابر مع أجهزة استخبارات أجنبية، في ظل حالة الاستنفار التي تعيشها البلاد جراء المواجهة المفتوحة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وتستخدم قناة الموساد على تلغرام، التي تضم عشرات الآلاف من المشتركين، أساليب تقنية متطورة لتأمين التواصل مع الراغبين في التعاون. وتوفر القناة تعليمات دقيقة حول استخدام برامج الدردشة الآلية والروابط المشفرة لضمان عدم تعقب المتصلين من قبل الأجهزة الأمنية الإيرانية.
الحملة الدعائية لم تتوقف عند الرسائل النصية، بل امتدت لتشمل إنتاج محتوى مرئي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لبث الرعب في صفوف القوات النظامية. وتظهر بعض المقاطع عناصر من قوات 'الباسيج' في حالة من الهلع، مع رسائل تهديد تشير إلى أن أجهزة الرصد الإسرائيلية تلاحقهم في كل مكان.
ويرى خبراء أمنيون أن هذه الأساليب ليست وليدة اللحظة، بل هي تطوير لأدوات قديمة استخدمتها أجهزة الاستخبارات العالمية لعقود. وأشار الصحفي المتخصص في شؤون الدفاع، يوسي ميلمان، إلى أن الموساد يتبع نهجاً مشابهاً لما قامت به وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عبر تمويل إذاعات ومنشورات موجهة للدول المعادية.
حان وقت التحرك.. محادثة قصيرة قد تفتح لك فصلاً جديداً، تواصل معنا عبر خط آمن.
ومن بين المنصات النشطة، برز حساب 'موساد فارسي' على منصة إكس، الذي استقطب متابعة واسعة منذ اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة بين الطرفين. ويقوم الحساب بنشر محتوى متنوع يمزج بين السخرية من القيادة الإيرانية وتقديم خدمات استشارية طبية واجتماعية لجذب اهتمام الجمهور العام.
واستغل الجهاز الاستخباراتي شعارات سياسية عالمية لإضفاء طابع 'تحرري' على حملته، مثل شعار 'لنجعل إيران عظيمة مجدداً'. وتهدف هذه الرسائل إلى خلق حالة من التماهي بين الطموحات الوطنية للإيرانيين وبين الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إسرائيل لتحقيقها في المنطقة.
ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في إيران، تحولت نبرة الحسابات الإسرائيلية إلى التحريض المباشر على النزول للشوارع والمواجهة الميدانية. وزعمت تلك الحسابات وجود تنسيق ميداني يتجاوز مجرد الدعم الإعلامي، في محاولة لزعزعة استقرار النظام الداخلي وتشتيت جهوده الأمنية.
التطورات الميدانية زادت من حدة الصراع، خاصة بعد عمليات الاغتيال التي طالت شخصيات رفيعة المستوى في الهرم الأمني الإيراني. وكان اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وقائد الباسيج غلام رضا سليماني، نقطة تحول دفعت الموساد للاحتفاء علناً عبر منصاته الرقمية.
وتشير التقارير إلى أن الموساد يعتمد على شخصيات إعلامية معروفة لدى الجمهور الإيراني، مثل المذيع ميناش أمير، لتعزيز مصداقية رسائله. وقد حققت مقاطع الفيديو التي يظهر فيها أمير ملايين المشاهدات، مما يعكس حجم الاختراق الثقافي والإعلامي الذي تحاول إسرائيل تحقيقه.
وعلى الرغم من القبضة الأمنية المشددة في طهران، إلا أن استمرار تدفق المعلومات الاستخباراتية من الداخل يشير إلى ثغرات يحاول الموساد استغلالها. وتستمر القنوات الرقمية في مطالبة المشتركين بإرسال 'تقارير ميدانية' وصور للمواقع العسكرية، واصفة إياهم بأنهم 'شهود على الحقيقة'.
يبقى الصراع الاستخباراتي بين طهران وتل أبيب مفتوحاً على كافة الاحتمالات، مع انتقال الثقل من العمليات التقليدية إلى الفضاء السيبراني. وتثبت هذه الحملات أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت جبهة قتال حقيقية لا تقل أهمية عن المواجهات العسكرية المباشرة في رسم ملامح الصراع الإقليمي.





شارك برأيك
حرب الظل الرقمية: كيف يوظف الموساد منصات التواصل لتجنيد العملاء داخل إيران؟