تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة للحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، حيث اتهمها مراقبون ومحللون عسكريون بشن حملة تضليل ممنهجة تتعلق بالقدرات العسكرية الحقيقية لحزب الله اللبناني. وتأتي هذه الانتقادات في وقت يواصل فيه الحزب إطلاق رشقات صاروخية مكثفة باتجاه المستوطنات الشمالية، مما يكذب الرواية الرسمية التي روجت لانتهاء التهديد.
وأفادت مصادر أمنية بأن الحكومة، التي باتت تُدار من قبل شخص واحد ومجموعة من الموالين، أخطأت بشكل فادح في تقدير الأرقام المتعلقة بترسانة الحزب. وأوضحت المصادر أن القيادة السياسية اختارت عرض 'أنصاف الحقائق' على الجمهور، مركزة على الإنجازات التكتيكية بينما تعمدت إخفاء الفشل في كبح قدرة الحزب على التعافي السريع.
ورغم الضربات القوية التي وجهتها إسرائيل للبنية التحتية للحزب في جنوب لبنان خلال عام 2024، واغتيال قادة بارزين، إلا أن التقديرات المهنية تشير إلى أن التنظيم لم يُقضَ عليه. فالحزب لا يزال يحتفظ بآلاف الصواريخ بعيدة المدى وقدرات تحكم وسيطرة تمكنه من استهداف العمق الإسرائيلي بدقة.
وتشير التقارير إلى أن إيران وحزب الله استغلا فترات الهدوء النسبي لإعادة تنظيم الصفوف وتطوير تكتيكات جديدة لإخفاء منصات الإطلاق شمال نهر الليطاني. هذا الاستعداد مكنهما من شن هجمات منسقة، وهو ما يترجم حالياً على أرض الواقع من خلال سقوط مئات الصواريخ يومياً على الجليل والمناطق المحيطة به.
وانتقدت مصادر إعلامية إسرائيلية إصرار الشخصيات السياسية على استخدام عبارات رنانة مثل 'النصر المطلق' و'الضربة الساحقة'. واعتبرت أن هذه المصطلحات تهدف إلى خلق وعي زائف بالقدرة على الردع، بينما الواقع الميداني يثبت أن الحزب لا يزال يمتلك زمام المبادرة في حرب الاستنزاف الجارية.
ويبدو أن الرأي العام الإسرائيلي بدأ يفقد الثقة في هذه التقييمات، خاصة مع استمرار قدرة حزب الله على إطلاق وابل كثيف من الصواريخ في أي توقيت يختاره. ويرى محللون أن المصلحة السياسية لنتنياهو تقتضي الترويج لصورة 'المنتصر' للهروب من تداعيات الإخفاقات السابقة التي حدثت في مواجهة حماس بقطاع غزة.
وأكدت مصادر عسكرية أن هناك تناقضاً صارخاً بين السردية الحكومية التي تدعي 'ردع حزب الله' وبين الواقع الذي يشهد شللاً تدريجياً للحياة في الشمال. فبينما أُضعف الحزب تكتيكياً في القرى الحدودية، إلا أنه حافظ على قدراته الاستراتيجية التي تمثل تهديداً وجودياً للمستوطنات البعيدة عن الحدود.
الحكومة الإسرائيلية اختارت إطلاع الرأي العام على جزء من الصورة فقط، فأظهرت الإنجازات وأخفت نقاط الضعف أمام معدل تعافي حزب الله.
وتشير القراءة المهنية للمشهد إلى أن القيادة العليا في تل أبيب كانت تدرك حجم الترسانة المتبقية لدى الحزب، لكنها فضلت إدارة 'سردية سياسية' مضللة. وكان الهدف من ذلك هو إظهار إنجازات سريعة أمام الجمهور وتأجيل المواجهة الحتمية مع الحقيقة المرة التي يعيشها سكان الشمال يومياً.
ووصف مراقبون المجلس الوزاري الأمني المصغر بأنه تحول إلى مجرد 'أداة' في يد رئيس الحكومة، حيث يندر أن يجرؤ أي عضو على إبداء رأي مخالف للرواية الرسمية. هذا التفرد بالقرار أدى إلى خلق 'واقع افتراضي' اصطدم بصخرة الواقع اللبناني المعقد والمفاجآت الميدانية المستمرة.
كما طالت الانتقادات طريقة إدارة الميزانيات، حيث تم تخصيص مليارات الدولارات لأهداف وُصفت بأنها 'وهمية' ولا تخدم المجهود الحربي الحقيقي. واعتبر محللون أن بناء الاستراتيجيات على 'خداع الذات' يجعل إسرائيل عرضة للمفاجآت المتكررة من أعداء لا يزالون يمتلكون القدرة على الهجوم.
وتعاني إسرائيل حالياً من غياب 'خطة خروج' واضحة على أي من الجبهات المشتعلة، مما يدخلها في دوامة لا تنتهي من القتال دون أهداف سياسية محددة. هذا التخبط يعكس انفصالاً متعمداً عن الواقع من قبل القيادة السياسية التي تغلّب مصالحها الخاصة على أمن المستوطنين.
ويرى خبراء أن إسرائيل تاريخياً لم تكن مهيأة لخوض حروب استنزاف طويلة، وكانت تسعى دائماً لحسم المعارك بسرعة وبشكل قاطع. إلا أن السياسات الحالية تدفع بالدولة نحو استنزاف طويل الأمد يزعزع الاستقرار الداخلي وينهك الاقتصاد والجيش على حد سواء.
إن الاعتبارات الخارجية والضغوط السياسية داخل الائتلاف الحكومي باتت هي المحرك الأساسي للقرارات العسكرية، بعيداً عن التقييمات الاستخباراتية الدقيقة. وهذا النهج أدى إلى تآكل الثقة بين الجمهور والقيادة، خاصة في ظل استمرار سقوط الصواريخ وفشل الحكومة في إعادة سكان الشمال إلى منازلهم.
وفي الختام، يظل التساؤل قائماً حول المدى الذي يمكن أن تستمر فيه هذه السردية المضللة قبل أن يفرض الواقع نفسه بشكل كامل. فالحقائق الميدانية تشير إلى أن المواجهة مع حزب الله أبعد ما تكون عن الحسم، وأن الأثمان التي ستدفعها إسرائيل في المستقبل قد تكون باهظة جداً.





شارك برأيك
اتهامات لنتنياهو بالتضليل: إسرائيل تواجه فجوة بين 'سردية النصر' وواقع صواريخ حزب الله