ترى أوساط إسرائيلية أن عمليات اغتيال النخبة السياسية والأمنية في طهران تهدف إلى تعميق الانقسامات داخل القيادة العليا. ومع ذلك، يسود قلق من أن تؤدي هذه الضربات إلى نتائج عكسية عبر تعزيز قبضة الحرس الثوري الإيراني على مفاصل الدولة، خاصة مع توطد علاقاته بالمرشد الجديد مجتبى خامنئي.
اعتبر راز تسيمت، مدير برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب أن اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وقائد الباسيج غلام رضا سليماني، يمثل تصعيداً في الاستراتيجية الرامية لزعزعة استقرار النظام. وأشار إلى أن لاريجاني لم يكن مجرد مسؤول عادي، بل كان ركيزة أساسية في هيكل الحكم لسنوات طويلة.
يمتلك لاريجاني تاريخاً سياسياً حافلاً، حيث ترأس مجلس الشورى لثماني سنوات، وتولى ملف المفاوضات النووية الحساس، بالإضافة إلى قيادته لهيئة الإذاعة والتلفزيون. ويُصنف الرجل ضمن التيار المحافظ الذي أدرك ضرورة تكييف الفكر الثوري مع المتغيرات الدولية والواقع المعاصر، مما جعله شخصية محورية في التوازنات الداخلية.
خلال رئاسته للبرلمان، دعم لاريجاني سياسات الرئيس السابق حسن روحاني، وهو ما جلب عليه انتقادات واسعة من التيارات الراديكالية. ورغم استبعاده من الترشح للانتخابات الرئاسية في دورتين متتاليتين، إلا أن دوره السياسي لم يتراجع، بل استمر كأحد المقربين من دوائر صنع القرار العليا.
في أواخر عام 2024، برز دور لاريجاني كدبلوماسي رفيع المستوى ومبعوث خاص للمرشد علي خامنئي إلى سوريا ولبنان قبيل سقوط نظام الأسد. كما قاد وفداً رسمياً إلى موسكو لإجراء مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما يعكس الثقة الكبيرة التي كان يحظى بها في إدارة الملفات الخارجية المعقدة.
عقب مواجهات يونيو 2025، التي عُرفت بحرب الـ 12 يوماً، أعاد المرشد تعيين لاريجاني في قمة الهرم الحكومي للاستفادة من خبرته الطويلة. وجاءت هذه الخطوة في إطار رغبة القيادة الإيرانية في إشراك السياسيين المخضرمين لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة والضربات الإسرائيلية المتلاحقة التي استهدفت الصف الأول.
أفادت مصادر بأن لاريجاني كان من أبرز المخططين للردود الإيرانية خلال المواجهات الأخيرة مع إسرائيل. وقد أعرب في تصريحات سابقة عن التزامه بالمفاهيم الاستراتيجية التي استخلصتها طهران من تلك الحرب، مشدداً على ضرورة تطوير القدرات الدفاعية لمواجهة أي جولات صراع مستقبلية.
اغتيال لاريجاني يمثل مرحلة أخرى في المساعي المستمرة لتقويض استقرار النظام، لكنه قد يعزز مكانة الحرس الثوري في ظل غياب الشخصيات الواقعية.
ركز لاريجاني في رؤيته العسكرية على معالجة الثغرات التي ظهرت في منظومات الدفاع الجوي الإيراني خلال الهجمات السابقة. وكان يرى أن امتلاك إيران لقدرات صاروخية قوية هو ما فرض على الخصوم القبول بوقف إطلاق النار، داعياً إلى تعزيز نقاط القوة وتصحيح الإخفاقات التقنية والميدانية بشكل موضوعي.
يشير المحللون إلى أن رحيل لاريجاني سيترك فجوة كبيرة في قدرة النظام على الحفاظ على الاستمرارية الإدارية والسيطرة الفعالة. وتزداد خطورة هذا الغياب كونه جاء في أعقاب انتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي، مما قد يربك منظومة القيادة والسيطرة في لحظة حرجة من تاريخ الجمهورية.
كان لاريجاني يمثل صوتاً واقعياً داخل القيادة الإيرانية رغم التزامه بمبادئ الثورة الإسلامية. وبغيابه، يخشى المراقبون من سيطرة العناصر الأكثر تطرفاً على عملية صنع القرار، مما قد يدفع طهران نحو تبني سياسات أكثر راديكالية فيما يخص البرنامج النووي والطموحات الإقليمية.
تتوقع تقديرات أمنية أن يؤدي اغتيال أهم مسؤول سياسي في طهران إلى تقوية شوكة الحرس الثوري بشكل غير مسبوق. فالحرس الثوري، الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع المرشد الجديد، قد يجد الطريق ممهداً لفرض رؤيته المتشددة على العقيدة العسكرية والسياسية للدولة في المرحلة المقبلة.
وصف الجيش الإسرائيلي لاريجاني بأنه 'المرشد الفعلي لنظام الإرهاب'، في إشارة إلى ثقله في إدارة العمليات الاستراتيجية. وتأتي هذه العملية ضمن استراتيجية 'قطع الرؤوس' التي تنتهجها تل أبيب لإرباك المنظومة الإيرانية وإضعاف قدرتها على التنسيق مع حلفائها في المنطقة.
تؤكد تقارير أن الضربة التي استهدفت لاريجاني وسليماني في قلب طهران كانت دقيقة للغاية وتزامنت مع قصف عنيف. وتهدف هذه العمليات إلى إرسال رسالة واضحة بأن عمق النظام الإيراني لم يعد محصناً، وأن بنية القيادة والسيطرة تحت المجهر الاستخباري الإسرائيلي المستمر.
في ظل هذه التطورات، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة إيران على تعويض هذه الكوادر القيادية في وقت قصير. فبينما تمتلك طهران أدوات ضغط مثل الصواريخ الباليستية والسيطرة على الممرات المائية، فإن فقدان 'العقول المدبرة' مثل لاريجاني قد يغير مسار المواجهة الإقليمية برمتها.





شارك برأيك
قراءة في تداعيات اغتيال لاريجاني: هل تنجح إسرائيل في تقويض استقرار النظام الإيراني؟