تصدر علي لاريجاني واجهة السلطة الفعلية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليصبح أحد أبرز أعمدتها في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي خلال الضربات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة. ومنذ اندلاع المواجهات العسكرية، لعب لاريجاني أدواراً محورية متشعبة على الصعيدين الداخلي والخارجي، متفوقاً في حضوره العلني على المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي لم يظهر للجمهور منذ خلافة والده.
ويرى مراقبون أن أي استهداف محتمل للاريجاني سيمثل ضربة قاصمة للنظام الإيراني، نظراً لخبرته الطويلة في مجالي الأمن والتشريع. وتوصف شخصيته بأنها تتقن فن إمساك العصا من المنتصف، حيث يوازن بدقة بين البراغماتية السياسية المطلوبة لرجل الدولة والولاء العقائدي الراسخ لمبادئ الثورة الإسلامية.
وقد حظي لاريجاني، المعروف بنبرته الهادئة ولحيته المميزة، بثقة المرشد الراحل الذي أعاده لمنصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في مرحلة تاريخية فارقة. وجاء هذا التعيين بعد أسابيع قليلة من انتهاء المواجهة العسكرية مع إسرائيل في يونيو 2025، ليتولى مجدداً تنسيق استراتيجيات الدفاع والإشراف المباشر على السياسة النووية.
وتجاوز دور لاريجاني حدود منصبه الرسمي في المجلس الأعلى للأمن القومي، ليصبح المحرك الأساسي لأعلى هيئة تمزج بين القرار السياسي والضرورات الأمنية. وبحسب مصادر مطلعة، فإن لاريجاني يؤدي دوراً يفوق بكثير ما قام به أسلافه في هذا المنصب، مستفيداً من فهمه العميق لآليات عمل منظومة الحكم وتوجهات القيادة العليا.
وفي مسار العلاقات الدولية، يُنظر إلى لاريجاني على أنه الممسك بالخيوط الأساسية في مفاوضات طهران مع الولايات المتحدة. ورغم أن وزير الخارجية عباس عراقجي هو من يقود الوفد رسمياً، إلا أن التوجيهات الاستراتيجية والرؤية التفاوضية تصدر بشكل مباشر من مكتب لاريجاني الذي يسعى لتحقيق توازن دقيق في هذا الملف الشائك.
تعود جذور لاريجاني إلى مدينة النجف في العراق حيث ولد عام 1957، وهو ينتمي لعائلة دينية وسياسية عريقة؛ فوالده هو المرجع آية الله ميرزا هاشمي آملي. وتؤدي عائلته دوراً مؤثراً في مؤسسات الحكم الإيرانية منذ عقود، حيث يرأس شقيقه صادق آملي لاريجاني مجمع تشخيص مصلحة النظام بعد سنوات من قيادته للسلطة القضائية.
أكاديمياً، يحمل لاريجاني درجة الدكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران، وهو ما يفسر قدرته على المحاججة السياسية بأسلوب منطقي. أما عسكرياً، فقد كان من الرعيل الأول المنضم للحرس الثوري الإيراني، وشغل مناصب قيادية ميدانية وإدارية هامة خلال سنوات الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي.
إن لاريجاني من صلب منظومة الحكم، ولاعب ماكر ملمّ بكيفية عمل المنظومة وبتوجّهات المرشد الأعلى.
تدرج لاريجاني في مناصب رفيعة، حيث ترأس هيئة الإذاعة والتلفزيون لمدة عشر سنوات بدأت في 1994، ثم انتقل لرئاسة مجلس الشورى بين عامي 2008 و2020. كما مثل المرشد في مجلس الأمن القومي وقاد جولات مفاوضات نووية حاسمة مع القوى الدولية في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة.
ورغم ثقله السياسي، واجه لاريجاني تحديات داخلية، حيث خسر الانتخابات الرئاسية عام 2005 أمام محمود أحمدي نجاد بسبب خلافات حول الدبلوماسية النووية. كما تعرض للإقصاء من قبل مجلس صيانة الدستور في محاولتيه للترشح للرئاسة عامي 2021 و2024، مما أثار تساؤلات حينها حول مستقبله السياسي قبل أن يعود بقوة للمشهد الأمني.
ويعتبر محللون أن عودة لاريجاني إلى أمانة مجلس الأمن القومي بعد الحرب الأخيرة تعكس تحولاً نحو النهج البراغماتي في إدارة الأزمات. وتبرز قدرته الفريدة في الجمع بين الالتزام بالأهداف الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية وبين المرونة التكتيكية اللازمة للتعامل مع الضغوط الدولية المتزايدة وواشنطن.
وكان لاريجاني من أبرز الداعمين للاتفاق النووي الموقع عام 2015، وحذر مراراً من تداعيات انسحاب واشنطن الأحادي منه. وفي تصريحات سبقت الحرب الأخيرة، نبه إلى أن استمرار الضغوط الخارجية قد يضطر طهران لتغيير عقيدتها النووية والتحرك نحو إنتاج سلاح ردع ذري تحت ضغط الرأي العام الداخلي.
وبعد انتهاء العمليات العسكرية، وصف لاريجاني المخاوف الغربية من برنامج إيران النووي بأنها مجرد "ذريعة" لمواجهة سياسية أوسع. وشدد في تصريحاته على أن المطالب الدولية المتعلقة ببرنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي تعكس رغبة في تغيير التوازنات السياسية وليس مجرد مخاوف أمنية تقنية.
وفيما يتعلق بالحوار مع واشنطن، أكدت مصادر أن لاريجاني يفضل حلاً سريعاً للملف النووي لضمان استقرار الدولة الاقتصادي. وأشار في مقابلات إعلامية سابقة إلى أن نشوب حرب شاملة مع الولايات المتحدة يظل احتمالاً ضعيفاً، لأن واشنطن تدرك حجم الخسائر الجسيمة التي قد تتكبدها دون تحقيق مكاسب استراتيجية واضحة.
يواجه لاريجاني حالياً عقوبات أمريكية فُرضت عليه في مطلع العام الجاري، على خلفية اتهامات تتعلق بالتعامل مع الاحتجاجات الشعبية الناتجة عن تدهور الأوضاع المعيشية. ورغم إقراره بأن الضغوط الاقتصادية كانت وقوداً لتلك الاحتجاجات، إلا أنه يحمل الأطراف الخارجية مسؤولية تحويلها إلى أعمال عنف تهدف لزعزعة استقرار البلاد.





شارك برأيك
علي لاريجاني: الرجل القوي في هرم السلطة الإيرانية الجديد وميزان البراغماتية وسط الحرب