تشهد أروقة البيت الأبيض حالة من الانقسام الحاد بين مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول كيفية إدارة المواجهة العسكرية مع إيران، وتحديد اللحظة المناسبة لإعلان تحقيق الأهداف. وأفادت مصادر بأن هذا التباين يأتي في وقت يواصل فيه الرئيس تعديل مواقفه العلنية بشأن مسار الصراع وتوقيت نهايته.
وتتصدر المخاوف الاقتصادية أجندة فريق من المستشارين الذين يحذرون من التداعيات الوخيمة لاستمرار الحرب على أسواق الطاقة العالمية. ويرى مسؤولون في وزارة الخزانة والمجلس الاقتصادي الوطني أن الارتفاع المطرد في أسعار الوقود قد يؤدي إلى تآكل الدعم الشعبي للعمليات العسكرية داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، يبرز جناح متشدد داخل الإدارة والمعسكر الجمهوري يضغط بقوة لمواصلة العمليات العسكرية تحت مسمى 'ملحمة الغضب'. ويقود هذا التوجه مشرعون بارزون مثل ليندسي غراهام وتوم كوتون، الذين يعتبرون أن أي تراجع الآن سيمنح طهران فرصة لاستعادة قدراتها النووية والعسكرية.
وتعكس تصريحات الرئيس ترمب الأخيرة هذا التردد، حيث انتقل من الحديث عن أهداف استراتيجية واسعة إلى وصف الحملة بأنها محدودة وحققت معظم غاياتها. ورغم إعلانه 'الانتصار' في تجمع انتخابي بولاية كنتاكي، إلا أنه عاد ليؤكد في اجتماعات مغلقة ضرورة عدم إنهاء العمليات بسرعة لضمان 'إتمام المهمة'.
وتشير التقارير إلى أن كبيرة موظفي البيت الأبيض، سوزي وايلز، ونائبها جيمس بلير، يميلان إلى تضييق نطاق الأهداف المعلنة وتقديم العملية كحملة خاطفة اقتربت من نهايتها. ويهدف هذا التوجه إلى حماية الموقف السياسي للإدارة من أي هزات اقتصادية قد تنتج عن اضطراب إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.
وتواجه الاستراتيجية الأمريكية تحديات ميدانية مرتبطة بطبيعة الحرب غير المتكافئة التي تنتهجها إيران، والتي تعتمد على استهداف النظام المالي العالمي وحركة الشحن. ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط العالمي، مما يجعل أي تهديد لهذا الممر المائي بمثابة صدمة كبرى للاقتصاد الدولي.
وعلى الصعيد المالي، تبرز فجوة هائلة في كلفة المواجهة، حيث تقدر العمليات الأمريكية اليومية بنحو مليار دولار، في حين تعتمد إيران على أسلحة منخفضة التكلفة. وتكلف الطائرة المسيرة الإيرانية ما بين 20 إلى 50 ألف دولار، بينما يضطر الجيش الأمريكي لاستخدام صواريخ اعتراضية تصل كلفة الواحد منها إلى مليوني دولار.
الرئيس ترمب شدد خلال مناقشات مغلقة على عدم رغبته في الانسحاب المبكر، مؤكداً ضرورة إتمام المهمة العسكرية بالكامل.
ورغم الادعاءات الأمريكية بتدمير أجزاء واسعة من الأسطول الإيراني وخفض قدرات الإطلاق الصاروخي بنسبة 90%، إلا أن القلق يسود من استراتيجية 'فخ التحالفات'. وتهدف إيران من خلال هذه الاستراتيجية إلى إطالة أمد الصراع لإرهاق الميزانية العسكرية الأمريكية التي تبلغ 886 مليار دولار.
ويحذر المستشارون السياسيون من أن استمرار النزاع قد يحول 'ملحمة الغضب' إلى استنزاف طويل الأمد يشبه التدخلات العسكرية التي وعد ترمب بتجنبها. ويحاول هؤلاء المستشارون إقناع الرئيس بضرورة صياغة 'مخرج منتصر' يحفظ هيبة الولايات المتحدة حتى لو بقيت القيادة الإيرانية في السلطة.
من جهتها، وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، التقارير التي تتحدث عن انقسامات بأنها مجرد 'تكهنات وشائعات' من مصادر غير معلومة. وأكدت ليفيت أن الرئيس ترمب هو صاحب القرار النهائي، وأنه يستمع لآراء متعددة لضمان تحقيق كامل أهداف العملية العسكرية الجارية.
ويراقب المشرعون في الكونغرس بحذر مسار العمليات، حيث يرى الصقور أن الوقت الحالي هو الأنسب لتوجيه ضربة قاصمة تمنع طهران من تطوير سلاح نووي. ويعتبر هؤلاء أن أي تهدئة في الوقت الراهن ستفسر كضعف أمريكي أمام الهجمات التي تستهدف المصالح الحيوية في المنطقة.
وتظل أسعار البنزين في المحطات الأمريكية هي المؤشر الأكثر حساسية بالنسبة لغرفة العمليات في البيت الأبيض مع اقتراب الاستحقاقات السياسية. فالتاريخ السياسي الأمريكي يثبت أن ارتفاع تكلفة المعيشة المرتبط بالحروب الخارجية غالباً ما يؤدي إلى تراجع حاد في شعبية الرئيس القائم.
وفي ظل هذه الضغوط المتباينة، يبدو أن الإدارة الأمريكية تبحث عن توازن دقيق بين استعراض القوة العسكرية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ويبقى السؤال المطروح في أروقة واشنطن هو: متى وكيف سيقرر ترمب وضع حد لـ 'ملحمة الغضب' دون أن يبدو ذلك تراجعاً عن وعوده الانتخابية؟





شارك برأيك
انقسام في البيت الأبيض حول 'ملحمة الغضب': مخاوف اقتصادية تصطدم برغبة 'إتمام المهمة' ضد إيران