في لحظة إقليمية بالغة الاضطراب تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الانفعالات السياسية ويُعاد فيها إنتاج الاستقطاب الحاد بوصفه قدرًا لا فكاك منه، يصبح من الضروري التمييز بين الخلاف المبدئي مع أي نظام سياسي وبين السقوط الأخلاقي والاستراتيجي في أحضان مشروع استعماري استيطاني لم يتغير جوهره منذ تأسيسه، فليس المطلوب اليوم بيعة للنظام الإيراني ولا الدفاع عن سياساته أو تبرير أخطائه أو إنكار أدواره الإشكالية في أكثر من ساحة، بل المطلوب قبل ذلك موقف متماسك لا يسمح بتحويل أي عداء لإيران إلى بوابة شرعية للتحالف مع الكيان الصهيوني أو التماهي مع مشروعه التوسعي العدواني.
إن الخلل العميق في الخطاب السائد لا يكمن في نقد إيران أو رفض سياساتها، بل في تلك القفزة غير المنطقية التي تجعل من إسرائيل خيارًا مقبولًا أو حليفًا اضطراريًا تحت ذريعة مواجهة الخطر الإيراني من بعض الجهات، هنا تحديدًا يسقط المنطق السياسي لأن العاقل لا يساوي بين خصم نختلف معه في المصالح والتوجهات، وقد نتصادم معه وبين عدو وجودي قام مشروعه منذ اللحظة الأولى على الاقتلاع والإحلال والتوسع بالقوة وإلغاء الآخر، حيث يمكن الاختلاف او الاتفاق معها ومواجهتها سياسيًا، بينما إسرائيل مشروع استعماري إحلالي لا يعيش إلا على إدامة الصراع وتفكيك المنطقة وإبقائها في حالة ضعف دائم.
اما إيران فهي دولة متجذرة في المنطقة وذات حضارة وتاريخ معروف وهي جزء لا يتجزأ من المنطقة، اما إسرائيل فهي كيان دخيل فرض على المنطقة بالقوة .
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الارتماء في أحضان المشروع الصهيوني تحت أي ظرف من الظروف لا ينتج أمنًا ولا استقرارًا، بل يعمّق التبعية ويحوّل الدول إلى أدوات في معركة تخدم الاحتلال وحده، فالكيان الذي لم يحترم يومًا اتفاقًا ولا تعهدًا ولا حدودًا ولا سيادة لا يمكن أن يكون ضامنًا لأمن أحد ولا شريكًا موثوقًا في أي ترتيبات إقليمية، ومن يطلب الأمان من الذئب لا يفعل سوى أنه يمنحه الفرصة ليختار التوقيت الأنسب للانقضاض حين تضعف الحماية وتغيب الإرادة.
إن تصوير البعض بان العداء لإيران بوصفه مبررًا للتحالف مع إسرائيل يعكس ضعفًا في الرؤية وعمى في الذاكرة قبل أن يكون خطأ في الحسابات، فإسرائيل لم تكن يومًا عنصر توازن في المنطقة، بل كانت دائمًا عامل تفجير وحروب وابتزاز سياسي وعسكري، وهي لم تتوقف عن استهداف محيطها حتى في المراحل التي حظيت فيها باعتراف أو تطبيع أو غطاء إقليمي، وكل من راهن على تحييدها أو استرضائها اكتشف متأخرًا أن المشروع الصهيوني لا يعرف حدودًا ولا يكتفي بما حققه بل يتغذى على المزيد.
وفي هذا السياق لا يمكن فصل هذا الخطاب عن الطموحات التوسعية التي بات قادة الاحتلال يعلنونها صراحة وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو الذي لم يعد يخفي رغبته في إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة تحت عناوين أمنية ودينية وعنصرية، فكل اصطفاف مع هذا المشروع مهما كان مبرره لا يُقرأ إلا بوصفه مساهمة في شرعنة هذه الرؤية وتوفير الغطاء السياسي لها ولو بشكل غير مباشر.
أما الخلاف مع إيران فهو خلاف سياسي واستراتيجي قابل للنقاش والمواجهة وإعادة التوازن ولا يجوز تحويله إلى ذريعة لإعادة تعريف العدو الحقيقي أو قلب الأولويات، فالسياسة ليست لعبة محاور عمياء ولا ردود فعل انفعالية بل فنّ اختيار المواقف التي تحمي المستقبل ولا ترهنه لمشاريع ثبت فشلها وعدوانيتها، إن السقوط في فخ التحالف مع إسرائيل بحجة مواجهة إيران ليس استقلالًا في القرار ولا واقعية سياسية بل هروب من مواجهة الأسئلة الجوهرية حول من يهدد المنطقة فعليًا ومن يعمل على تفكيكها وإدامة نزاعاتها.
في زمن الانكشاف الكبير تصبح الحاجة ملحّة إلى خطاب عقلاني شجاع يعيد تعريف الصراع على أساس الوقائع لا المخاوف، وعلى أساس التاريخ لا اللحظة العابرة، فالأمن لا يُشترى من عدو بنى وجوده على الغدر والقتل و الاجرام، ولا يعيش إلا على إشعال الحرائق، بل على خطاب يُبنى على وعي المواقف واستقلال القرار والقدرة على التمييز بين الخصومة السياسية وبين العداء الوجودي الذي لا يقبل المساومة.
أقلام وأراء
الخميس 05 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
في اختلال البوصلة… بين الخصومة السياسية والسقوط الاستراتيجي