أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

معركة الجمعية بين بيان المئة دولة وحضور بلا فلسطين


لم يكن صدور بيان مشترك عن نحو مئة دولة رفضاً لإعلانات حكومة الاحتلال بشأن ضم مناطق في الضفة الغربية حدثاً دبلوماسياً عابراً، كما لم يكن ظهورا فلسطينيا في جلسة ما يُسمّى «مجلس السلام» بلا اسم فلسطين وبلا عَلمها تفصيلاً بروتوكولياً. الحدثان معاً يعكسان صراعاً أعمق على المرجعية، الأولى مرجعية القانون الدولي والأمم المتحدة، والثانية محاولات خلق أطر بديلة تُدار بمنطق الهيمنة والقوة وإنشاء حلف جديد يبدأ من غزة من جهة اخرى.
فالضم الاستعماري الجاري بقرار حكومة الاحتلال بصمت امريكي ليس إجراءً إدارياً، بل إعلان صريح بأن القوة يمكن أن تحل محل القانون، وبأن مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة قابل للتجاوز وبأن الاستعمار يمكن ان يُعاد تدويره. إنه اختبار للنظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. وإذا جرى تمرير الضم دون تبعات، فسيكون ذلك سابقة تفتح الباب أمام إعادة تعريف السيادة والحقوق وفق موازين القوة لا وفق القواعد الملزمة.
غير أن الأخطر من الضم ذاته هو الإطار السياسي الذي يُراد له أن يحتضنه، فالمحاولات الأمريكية لتهميش المرجعية الأممية المتمثلة في هيئة الأمم المتحدة، وإحياء ما يُسمّى «مجلس السلام» برئاسة ترامب لمدى الحياة وعضوية نتنياهو في محاولاتهم انشاء حلف جديد، تعكس توجهاً لإعادة هندسة الصراع خارج إطار القانون الدولي، واستبداله بترتيبات انتقائية، خاصة بما صدر عن السفير الأمريكي هاكابي من دعوة الى حق اسرائيل بالسيطرة على كل المنطقة.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين قرار الموافقة على إنشاء "مكتب ارتباط" بين السلطة الوطنية ومكتب نيكولاي ميلادينوف بصفته مندوباً سامياً مُذكراً بالانتداب البريطاني ومسؤولاً عن اللجنة التنفيذية، وبين أي إيحاء بوجود ارتباط سياسي فلسطيني مع مكتب رئيس «مجلس السلام». فالأول، في حال وُجد، يبقى في إطار تنسيق تقني ضمن مهام محددة، بينما الثاني يحمل دلالة سياسية تمسّ جوهر المرجعية والتمثيل، فالخلط بين المستويين يُربك الصورة ويُفتح الباب لتأويلات تمسّ الموقع الوطني.
هنا يتقاطع البعد الدولي مع البعد الفلسطيني الداخلي، فحين يُختزل التمثيل في «لجنة إدارة غزة»، ويغيب اسم فلسطين وعلمها واسم المنظمة، أو مِن ذكر الشعب الفلسطيني أو الإشارة لحق تقرير المصير والدولة في كلمة لجنة إدارة غزة أمام المجلس المذكور حين انعقاده في نيويورك قبل ايام، نكون أمام تحول في تعريف القضية نفسها. أن المسألة هنا ليست شخصية، بل سياسية. فهل تتحول القضية من مشروع تحرر وطني شامل تقوده منظمة التحرير الفلسطينية بمكانتها التمثيلية والدولية والتي دفع شعبنا تضحيات هائلة في سبيلها، إلى ملف إنساني وإداري محدود؟ وهل يُفصل القطاع عن الضفة والقدس تحت عنوان «المعالجة الواقعية»؟
إن اختزال الصراع في إدارة الأزمة الإنسانية يخدم اتجاهاً يسعى لفصل الجغرافيا الفلسطينية، وتحويل الحقوق الثابتة إلى ملفات تفاوضية مؤقتة. والوصاية التي لا تنتهي بإنهاء الاحتلال ضمن جدول زمني واضح، تتحول إلى صيغة أخرى من السيطرة، حتى لو حملت عنوان «الاستقرار» أو عنوان “إزالة تداعيات الكارثة" التي صنعتها اسرائيل بمساندة أمريكية، والتي نريد لإهلنا في غزة تجاوزها والخروج منها.
بيان المئة دولة قبل أيام، بما فيها الصين وروسيا ودول أوروبية يمثل رفضاً مزدوجاً، للضم ولمحاولة تجاوز المرجعية الدولية. لكنه لن يكون كافياً إذا بقي في حدود اللغة الدبلوماسية، فالدفاع عن النظام الدولي يقتضي إجراءات عملية، من دعم المساءلة القانونية إلى رفض أي أطر بديلة تنتقص من قرارات الأمم المتحدة أو تفرغها من مضمونها وحتى من جوهر القرار الأممي الأخير بشأن غزة.
أما فلسطينياً، فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الإطار الذي تُدار فيه القضية، فهل تبقى ضمن منظومة القانون الدولي، أم تُنقل إلى فضاء الصفقات وإعادة توزيع النفوذ؟ أي قبول بمرجعيات بديلة تحت عناوين "الإدارة المؤقتة" أو "لجان إدارة السكان" يحمل خطر تثبيت الاحتلال لا إنهائه. إنها معركة تعريف بقدر ما هي معركة حدود، فإما أن يعلو القانون والحقوق على القوة، أو يُعاد تعريفه على صورتها.
وبين حضور بلا فلسطين، وصمت فلسطيني رسمي لا يُطمئن، يبرز سؤال لا يمكن تأجيله :
هل نحن أمام معالجة ظرفية لمرحلة صعبة، أم أمام إعادة هندسة هادئة للنظام السياسي الفلسطيني تحت عنوان "إدارة غزة" ؟ تمهيدا لنسخ ذلك بالضفة تحت عناوين "لجان أدارة السكان" ؟ وبالحالتين فان مِن حق شعبنا ان يعلم ذلك.
ولعل السؤال الذي يجب أن يُستعاد اليوم، هو كما طُرح في الأنتفاضة الأولى الكبرى، ليس كيف ندير حياتنا تحت الاحتلال، بل متى ينتهي الاحتلال ؟ وكيف نُعيد تعريف فعلنا الوطني بعيداً عن المعايير التي صاغها من يَحتل أرضنا ؟
ففي زمن التحولات الكبرى، يبقى الدفاع عن الاسم والعَلم ليس رمزية فارغة، بل دفاع عن الوطن والشعب والقضية.

دلالات

شارك برأيك

معركة الجمعية بين بيان المئة دولة وحضور بلا فلسطين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.