عادت قضية التبرع بالأعضاء والأنسجة لتتصدر المشهد العام في مصر، إثر مقترح برلماني يدعو إلى تأسيس 'بنك وطني للأنسجة'. ويهدف المقترح إلى تسهيل إجراءات التبرع بالجلد بعد الوفاة لدعم مصابي الحروق المتقدمة، مما أعاد إلى الأذهان فتاوى سابقة لعلماء الأزهر الشريف تؤيد هذا التوجه الإنساني.
أثار هذا التحرك البرلماني انقساماً في الشارع المصري بين مؤيد يرى فيه ضرورة طبية ملحة لإنقاذ آلاف الأرواح سنوياً، ومعارض يتخوف من المساس بحرمة الجسد. ويستند المؤيدون إلى أن تطوير منظومة علاج الحروق يتطلب توفير بدائل حيوية تتجاوز الإمكانيات التقليدية المتاحة حالياً في المستشفيات.
من الناحية القانونية، ينظم القانون رقم 5 لسنة 2010 عمليات زرع الأعضاء البشرية في البلاد، حيث تتيح المادة الثانية منه نقل الأنسجة في حالات الضرورة القصوى. ويعد هذا الإطار التشريعي الركيزة الأساسية التي ينطلق منها المطالبون بتوسيع نطاق التبرع ليشمل الجلد كعنصر حيوي في العلاج.
يعتبر الجلد العضو الأكبر في جسم الإنسان، ويقوم بوظائف دفاعية جوهرية تشمل الحماية من الميكروبات ومنع الجفاف وتنظيم الحرارة. وتتكون بنية الجلد من ثلاث طبقات رئيسية تعمل معاً كدرع حيوي، وفقدان هذا الدرع في حالات الحروق يضع حياة المريض في خطر داهم.
تعد عمليات ترقيع الجلد إجراءً جراحياً حاسماً لنقل نسيج سليم إلى المناطق المتضررة التي لا تستطيع الالتئام ذاتياً. وتتنوع طرق الترقيع بين 'الذاتي' الذي يؤخذ من جسم المريض نفسه، و'المتجانس' الذي يعتمد على متبرعين آخرين، وهو ما يبرز أهمية وجود بنوك متخصصة.
في حالات الحروق الواسعة من الدرجة الثالثة، غالباً ما يفتقر المصاب لمساحات كافية من الجلد السليم لإجراء الترقيع الذاتي. هنا تبرز أهمية 'بنوك الجلد' كطوق نجاة مؤقت يمنع العدوى وفقدان السوائل حتى يستقر وضع المريض الصحي ويصبح قادراً على استكمال العلاج.
تؤكد المصادر الطبية أن عملية التبرع بالجلد بعد الوفاة لا تشوه الجثمان، حيث يتم أخذ طبقات سطحية رقيقة جداً من مناطق غير ظاهرة. وتشدد هذه المصادر على أن الإجراء يتم باحترافية تحفظ كرامة المتوفى ولا تعيق إجراءات الغسل أو التكفين المتبعة شرعاً.
رقعة الجلد الصغيرة ليست مجرد نسيج بشري، بل معيار يقيس مدى قدرة أي نظام صحي على تحويل المعرفة إلى نجاة.
تشير إحصائيات رسمية لعام 2025 إلى وقوع أكثر من 51 ألف حادثة حريق في مصر، نتج عنها مئات الوفيات وإصابات بالغة. هذه الأرقام تعكس الحاجة الماسة لوجود منظومة وطنية متكاملة تتعامل مع تداعيات الحروق وتوفر الأنسجة اللازمة للمصابين بشكل فوري.
من منظور اقتصاديات الصحة، يساهم الاستثمار في بنوك الجلد في تقليل التكاليف الباهظة الناتجة عن فترات العلاج الطويلة والمضاعفات الناتجة عن العدوى. فالتدخل المبكر باستخدام رقع جلدية يقلل من نسب الإعاقة ويقصر مدة البقاء في وحدات العناية المركزة.
برزت مؤخراً تجارب ناجحة لمستشفيات خيرية في مصر تمكنت من إنقاذ حالات حرجة عبر استخدام جلد مستورد من الخارج. هذه التجارب سلطت الضوء على الفجوة التنظيمية والتمويلية، ودفعت باتجاه المطالبة بتوطين هذه التكنولوجيا عبر بنوك وطنية دائمة.
يرى خبراء أن القضية لم تعد تقنية بحتة، بل أصبحت تتعلق بأولويات السياسة الصحية والإدارية في الدولة. فتوفر رقعة الجلد في الوقت المناسب يمثل الفارق الحقيقي بين الحياة والموت في غرف العمليات المخصصة لمصابي الحوادث الكبرى.
يتطلب نجاح هذا المقترح حملات توعية جماهيرية واسعة لتصحيح المفاهيم المغلوطة حول التبرع بالأنسجة بعد الوفاة. ويجب أن تركز هذه الحملات على الجوانب الإنسانية والشرعية التي تدعم التكافل الاجتماعي في أسمى صوره من خلال إنقاذ حياة الآخرين.
إن إنشاء منظومة وطنية لبنوك الأنسجة يتطلب اعتماد بروتوكولات طبية صارمة تضمن الشفافية والعدالة في توزيع الرقع الجلدية. كما يجب أن تخضع هذه المنظومة لرقابة حكومية دقيقة لمنع أي تجاوزات أو استغلال غير مشروع للأعضاء البشرية.
في الختام، يظل الجلد البشري نسيجاً لا يمكن تعويضه بالكامل بالوسائل الصناعية في الحالات المعقدة، مما يجعل التبرع به عملاً وطنياً وإنسانياً بامتياز. إن التحول نحو مأسسة هذا التبرع سيعزز من قدرة النظام الصحي المصري على مواجهة تحديات الحوادث الكبرى بكفاءة أعلى.





شارك برأيك
جدل في مصر حول مقترح لإنشاء بنك وطني للجلد لإنقاذ مصابي الحروق